سمير الحسن
كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية

من البديهي، في بلد شديد الحساسية السياسية، والتفجر، أن يثير إعلان رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري ترسيم الحدود المائية مع العدو الاسرائيلي، موجة من الهجومات السياسية، ستتناول أولا بأول، محور المقاومة، وتحالفه، في نقطة مفصلية حساسة تستهدف المقاومة في أكثر النقاط حساسية وتحديا، وهي المواجهة مع العدو التي يقوم جهاد المقاومة على عنوانها.

وقبل تفاقم السجالات المنتظر أن تتولع الساحة اللبنانية بها، بتوجيه التهم بالتطبيع مع العدو، واجراء الاتفاقات معه، وإسقاط المقاومة، لقاء الاستثمار في النفط المنتظر، لا بد من توضيح بعض النقاط.

أولا، إن عملية الترسيم ليست الأولى في عمليات التفاوض التي لم يكن بد منها في كل مرحلة من المراحل التي جرت فيها، ووفق ظروف قيامها، والبداية كانت باتفاقية الهدنة سنة ١٩٤٩، عقب نكبة فلسطين.

ثانيا، تفاهم نيسان ١٩٩٦ عقب عملية عسكرية جرت في الجنوب اللبناني وتصدت المقاومة لها.

ثالثا، ترسيم الحدود البرية بعد حرب ٢٠٠٦ التي شكلت انعطافة تاريخية في مسار الصراع، مرجعيتها قرار مجلس الأمن ٤٢٥، وتفرعا منه القرار ١٧٠١.

هذا بالنسبة للبنان، لكن تفاوض بعض الدول العربية مع العدو، ما خلا اتفاقية كمب ديفيد، وعمليات التطبيع الجارية حاليا مع بعض دول الخليج، فقد حدث عند وقوع كل معركة أو حرب، ومنها بنوع خاص حرب ١٩٦٧، حيث جرى تفاوض أمني صدر بنتيجته القرار ٢٤٢، المعطوف عليه بالقرار ٣٣٨.

كما جرت عمليات تفاوض مع مصر قبل التطبيع عقب حرب ١٩٧٣، ومع سوريا في إطار الحرب عينها، عندما كان لا بد من وقف الأعمال العسكرية التي لم يكن ممكنا أن تستمر إلى ما لانهاية.

وفي جميع الحالات، لا بد من شكل من أشكال التفاوض مع العدو في أي معركة تجري، بنهاية المعركة، أو في حال ضرورة تطبيق عملية وقف إطلاق النار، وهذا ما جرى بين الفييتناميين، والأميركيين في اتفاقية باريس ١٩٧٣. بمعنى آخر، لم يمنع التفاوض الفييتكونغ من متابعة معركتهم لتحرير كامل التراب الفييتنامي لاحقا، وتحرير سايغون ١٩٧٥.

من هنا، لا بد لنا من النظر بواقعية، وعقلانية لعملية ترسيم الحدود المائية بين لبنان وفلسطين المحتلة، خصوصا لما يملكه لبنان، إن بمقاومته، أم بما تحقق ميدنيا في الاقليم من انتصارات، ما يمكن أن يرفد المفاوض اللبناني بالقوة، ويضبط مسار التفاوض في الإطار التقني، ولا يتعداه للخضوع لأية محاولات غربية لجر لبنان لخطوات أخرى لا يريدها، وليست في وارده، خصوصا على صعيد المقاومة ومحورها.

وعملية الترسيم تأتي في ظل عدة معطيات وتطورات، فترسيم الحدود المائية مطروح بقوة منذ ما بعد حرب ٢٠٠٦ المجيدة، لكن الأميركي الضاغط لصالح العدو الإسرائيلي أخر عملية الترسيم بسبب موقف المقاومة، وحلفها، لتضمين عملية الترسيم معانٍ، وإجراءات لا تريدها، وهي تندرج في إطار الصلح، والاعتراف، والتطبيع وما شابه، وهذه كله مرفوض قطعيا من قبل المقاومة.

وعندما ضغط الأميركي من أجل ترسيم الحدود، فكان مسار حركة ١٧ تشرين الأول التي استبقها الأميركي بالتهديد بمصادرة سلاح المقاومة، وترسيم الحدود، لم يتجاوب حلف المقاومة، فازداد الضغط الأميركي بلجوئه إلى لعبة الاقتصاد، والتدمير بالدولار، مما سبب أضرارا هائلة بالدولة والمجتمع في لبنان.

وتحدث تطورات كبيرة، أهمها انفجار مرفأ بيروت، ودخول لبنان مرحلة انسداد الأفق التام، فيدخل الفرنسي على الخط، محاولا الوصول إلى تسوية محلية، اتخذت مناحٍ متعددة، منها ما هو جلي، ومنها ما هو غير واضح وغير معلن، وبنتيجة ذلك، صدر موقف الرئيس بري بخصوص ترسيم الحدود المائية.

وإذا شئنا النظر في الموقف المتراوح، من جهة، بين المدى الذي ستسلكه عملية التفاوض، والذي نعتقد أنه سيكون تفاوض تقني، ولن تكون له اية أبعاد سياسية أخرى كالتطبيع والصلح، وما شابه، ومن جهة أخرى، بين ما سيجنيه لبنان من مردود بات بأمس الحاجة إليه بهدف بدء الخروج من الأزمة، واستلحاقا للتطورات، نجد ان عملية الترسيم ضرورة وطنية، فهي ستفيد لبنان بما سترد عليه من دعم اقتصادي ومالي، وستبدأ بوضع أسس اتفاق سياسي للبلد، لا أحد يعرف لا مساره، ولا مآله، لكنه بالحد الأدني سيضع حدا للانهيار المتمادي، ويفتح بذلك بداية حل للأزمات الدستورية والحكومية المتفاقمة، لعل البلد يجد راحة يحتاجها أبناؤه الذين تحملوا مشقات الحروب المتمادية منذ ٢٠٠٥، أي اغتيال الرئيس الحريري، وحتى اليوم من دون توقف.

في هذه الأجواء، لا يسع اللبنانيين إلا النظر بواقعية لما يجري، ولا بد من التمسك بالثوابت، والمباديء الأساسية، وفي مقدمها القدس، وفلسطين، وكافة الأراضي المحتلة ومنها مزارع شبعا وكفرشوبا، لكن في الوقت عينه، لا بد من إعطاء الفرصة لاستثمار ثروات لبنان لعلها تضع حدا للانهيار، وتؤدي إلى هدنة في الحد الأدنى، انتظارا للحل الشامل، وهي عملية لم يعد من الجائز التأخر بها، حيث باتت ظروفها ناضجة، ودول العالم متهيئة للاستثمار فيها.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com