كتب رضوان عقيل
لم يتوقع فريق سياسي من داخل الحكومة او خارجها دعوة الرئيس ميشال عون في هذا الوقت رؤساء الكتل النيابية الى جلسة في قصر بعبدا عقب إقرار الحكومة خطة الانقاذ المالية والاقتصادية، مع تشديده على انها ليست طاولة حوار وليست من أجل مصادرة دور مجلسَي النواب والوزراء. وحصل اتصال يوم الجمعة بين عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري كسر “الحاجز النفسي” حيال هذا اللقاء، وحصل تفاهم بينهما على ماهية هذه الدعوة واستثمارها في سبيل تحصين البلد المهدد بأكثر من خطر نقدي واقتصادي. ولم يشأ عون ارسال موفد الى بري، بل أراد ان يتصل به شخصيا لأنه هو رئيس السلطة التشريعية. واكتفت دوائر القصرالجمهوري بإبلاغ الآخرين.
وفي ظل هذه التحديات، يدعو بري الجميع الى التدقيق في المرحلة الصعبة التي يمر بها لبنان، والتي تستدعي التوصل الى خلاصات موحدة لجبه جملة من الاستحقاقات الجدية لا يمكن التفرج عليها في ظل هذه الظروف. واذا كان الرئيس سعد الحريري قد سارع الى الاعتذار ولم يشأ حتى تكليف نائب يمثله، فثمة خشية من ان ينسحب جواب الحريري هذا على الرئيس نجيب ميقاتي الذي سيحدد خياره النهائي اليوم.
ويميل الحزب التقدمي الاشتراكي الى عدم المقاطعة مع تقديمه ورقته الاقتصادية وملاحظات على خطة الحكومة. ولم يحسم هذا الحضور بعد عبر النائب السابق وليد جنبلاط او تكليف احد النواب لأن النائب تيمور جنبلاط موجود في باريس مع أسرته.
وجاء موقف الحريري هذا بعد توجيهه انتقادات قاسية ضد العهد والنائب جبران باسيل واشادته برئيس المجلس وتحييده “حزب الله” قدر الامكان، وهو لا ينفك عن التضييق على مهمة دياب وسط تصويبه المباشرعلى سياسات “التيار الوطني الحر”. ولا يعني مثل هذا الموقف ان بري فرمل عملية دعم الحكومة، ولا سيما امام كارثة تضرب اللبنانيين، وان المطلوب تضافر كل القوى ومواجهتها، خصوصا ان لبنان مقدم على امتحان صعب في مفاوضاته المنتظرة مع صندوق النقد الدولي.
وكان عون قد أخذ في الاعتبار وجود كل المكونات النيابية في “أربعاء بعبدا”، من الحكومة وخارجها، ولا سيما بعدما “تعرَّت” حكومة الاختصاصيين من صفة الاستقلالية والتكنوقراط وتلويح البعض بالاستقالة منها مع استمرار المعارضة في اتهامها بأنها حكومة “حزب الله” وباسيل. وينطلق عون هنا من مسلَّمةٍ بناءً على قسمه اليمين بأنه يعمل للجمع وليس من أجل ممارسة أية ألاعيب تستهدف السلطة الدستورية التشريعية. وترد بعبدا على الذين قد لا يرغبون في المشاركة بأن ابواب رئاسة الجمهورية مفتوحة من دون تقاذف للمسؤوليات، وستكون كلمة الرئيس عون واضحة ومعبرة، وان “حصول أي تغيّب لن يستهدف العهد بل خطة انقاذ لبنان”. ولذلك ولدت فكرة هذا اللقاء عند عون نتيجة معرفته بتوازنات البلد.
واذا كانت الحكومة تحظى برعاية “التيار الوطني الحر” و”أمل” و”حزب الله” و”تيار المردة”، فمن الافضل والأسلم ان يشارك الآخرون في مناقشة هذه الخطة. وترد بعبدا على الاتهامات التي سيقت ضد عون بأنه يتجاوز الدستور، فتؤكد أنه لم يقصد من دعوته الاخيرة مصادرة دور السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولم يدعُ الى اي طاولة حوار منذ وجوده في الرئاسة الى اليوم رغم مرور البلد في أزمات سياسية ونقدية، الى معركة الجرود وتحريرها و17 تشرين الاول، وصولاً الى مواجهة كورونا، لأنه يؤمن بالدستور والسلطات الدستورية ولا يستهدف ابداً البرلمان الذي جاء عن طريق النسبية الأكثر التصاقاً بالارادة الشعبية التي انتخبته.
وتقصّد عون ألا تكون هذه الطاولة على شكل طاولة حوار، وأراد ان يرسل اشارات عدة، أولاها ان خطة الحكومة هذه يجب ان تكون خطة انقاذ وطنية لكل لبنان. ولا يتعاطى معها على أنها منزلة في حال عمد الافرقاء الى ادخال ملاحظات عليها. كما انه لا يتعاطى معها كـأنه “قضي الأمر” ويعمل على ابلاغ المشاركين فحسب. وسيتم الذهاب الى صندوق النقد الدولي والعودة منه ان اقتضى اعتماد برنامج من برامجه بما لا يمس السيادة الوطنية، وان لبنان سيرفض في النهاية اي املاءات حيال السيادة. وما تريد ان تعكسه بعبدا هو سلوك طريق الانقاذ الاجتماعي ومحاصرة الازمة وتداعياتها الخطيرة على الصعد النقدية والمصرفية والاجتماعية لأن البلد عند مفترق طريق اقتصادية مفصلية “حيث يتم الانتقال من نهج اقتصادي ساد منذ الاستقلال وتحديدا منذ العام 1990 الى اليوم وأدى تدهور مالي واقتصادي، وننتقل الى نهج اقتصادي جديد يعمل على الانتاج والسعي الى تحقيق الاكتفاء الذاتي مع التوجه الى ضوابط مالية تقوم على الامتثال للمعايير الدولية”.