على بالي

صحيفة الأخبار: بقلم أسعد أبو خليل

يتناول أسعد أبو خليل في مقالته «على بالي» في صحيفة «الأخبار» العلاقة الملتبسة بين الإعلام والسلطة، منتقداً ما يراه ازدواجية في الحديث عن الحرية والمهنية عندما تكون المؤسسات الإعلامية والإعلاميون مرتبطين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمصالح الأنظمة السياسية والجهات الراعية. وينطلق الكاتب من مقابلة إعلامية مع غسان شربل، متوقفاً عند مجموعة من المواقف التي يعتبر أنها تفتح نقاشاً أوسع حول استقلال الصحافي ومعايير المهنة وحدود الحرية في الإعلام العربي.

 

ويضع أبو خليل في مقدمة انتقاداته مسألة تبدّل المواقف الإعلامية تبعاً لتبدّل علاقات الأنظمة السياسية، مستشهداً بمواقف منسوبة إلى شربل تجاه

بشار الاسد والتحولات
بشار الاسد والتحولات

لتي طرأت على العلاقة بين دمشق والرياض. ومن خلال ذلك، يطرح الكاتب سؤالاً حول ما إذا كان الموقف الإعلامي نابعاً من قناعة مهنية مستقلة، أم يتأثر بالجهة السياسية التي توفر الدعم أو الحماية أو التمويل.

كما يناقش المقال مفهوم «المهنية» في الكتابة السياسية، منتقداً تصريحاً مفاده أن الكاتب لم يكتب يوماً مديحاً لزعيم عربي. ويرى أبو خليل أن تقييم هذه العبارة لا ينفصل عن السياق السياسي للعلاقات العربية، وعن السؤال المتعلق بمَن تكون له مصلحة في الكتابة عنه أو الدفاع عن سياساته.

وينتقل الكاتب إلى مقاربة أخرى تتصل بتفسير أخطاء بعض الحكام العرب بغياب المعرفة بالعالم، متوقفاً عند المقارنة بين بشار الأسد وصدام حسين ومحمد بن سلمان. وهنا يستخدم أبو خليل قضية اغتيال جمال خاشقجي بوصفها مثالاً على أن المعرفة بالعالم، في رأيه، لا تكفي لتفسير القرارات السياسية أو منع ارتكاب الانتهاكات، معتبراً أن المعايير المستخدمة في تقييم الحكام والإعلاميين قد تختلف تبعاً للتحالفات السياسية الدولية والإقليمية.

ويخصص أبو خليل جانباً مهماً من مقاله للحديث عن بيروت باعتبارها ساحة للتنافس السياسي والإعلامي والاستخباراتي العربي والدولي. وهو يعترض على اختزال تاريخ المدينة بوصفها ساحة نفوذ لطرف أو محور واحد، ويستحضر تاريخ التمويل السياسي للصحافة اللبنانية، ولا سيما الاستثمارات والاتصالات المرتبطة بدول الخليج، إضافة إلى نشاط أجهزة استخبارات ودول عربية وغربية مختلفة في لبنان خلال مراحل متعددة.

ومن خلال هذه الأمثلة، يحاول المقال إعادة طرح سؤال أوسع حول استقلال الإعلام اللبناني والعربي، وحول العلاقة بين الصحافة والمال السياسي والنفوذ الإقليمي والدولي. فبالنسبة إلى الكاتب، لا يمكن فهم تاريخ الصحافة اللبنانية بمعزل عن البيئة السياسية التي نشأت فيها، ولا عن الصراعات الإقليمية التي جعلت من بيروت مساحة مفتوحة لتنافس القوى العربية والدولية.

وتتخذ المقالة، في نهايتها، طابعاً نقدياً تجاه الخطاب الذي يتحدث عن الحرية الإعلامية بمعزل عن مصادر النفوذ والتمويل. ويضع أبو خليل أمام القارئ مجموعة من الأسئلة حول معنى الاستقلال المهني، وحدود تأثير السلطة والمال السياسي في الصحافة، وما إذا كان معيار الحرية يُطبّق بصورة واحدة على مختلف الأنظمة والحلفاء والخصوم.

وبذلك، لا تقتصر «على بالي» على نقد مقابلة أو شخصية إعلامية بعينها، بل تستخدمها نقطة انطلاق لنقاش أوسع حول الإعلام العربي: من يحدد سقف الحرية؟ وكيف تتداخل المهنية مع السياسة؟ وهل يمكن للصحافي أن يحافظ على معيار مستقل عندما تكون المؤسسات الإعلامية جزءاً من شبكة أوسع من المصالح السياسية والاقتصادية؟

 

شاهدتُ مقابلة مع غسان شربل على بودكاست (سعودي). أبلغُ ما قال إنّ «الشكوى من (غياب) الحريّة ليست دائماً مُحقّة». هذه الجملة تختصر موقف معظم الإعلاميّين الذين ارتضَوا مقايضة المهنة بالعمل لصالح الأنظمة.

النظام السعودي
النظام السعودي

١) صارحه المذيع أنّه كان من المواظبين على الترويج لبشّار. ليس هناك مَن كال المدائح أكثر منه لبشّار الأسد لكنّه ابتعد عن نظامه فقط عندما ابتعد النظام السعودي عنه باستثناء فترة بسيطة حاول النظام السعودي أن يُطبِّع معه. هؤلاء ليس لديهم معيار مهنة مستقلّ عن مصالح النظام الراعي. يفعلون ما يُؤمرون. لا، ولا يخجلون من التحدّث عن المهنة وعن معايير.

 

٢) يقول إنّه لم يقبل ذات مرّة كتابة مديح لزعيم عربي. أكيد، لأنّ الزعيم العربي المذكور لم يكن على وئام مع النظام السعودي وإلّا كنتَ سارعتَ إلى الكتابة بأبيات شعريّة.

 

٣) يقول إنّ بشار الأسد وصدّام لم يعرفا العالم ولهذا ارتكبا «أخطاء». ماذا عن محمد بن سلمان الذي، مثلُه مثل كلّ أمراء آل سعود، نشأ في أحضان فيغاس وديزني. عندما قتل الخاشقجي وقطّعه إرباً إرباً (حرفيّاً) هل كانت معرفته بالعالم حوله رادعة؟ أم أنّ ذلك يسري فقط على الأنظمة المنبوذة من الخليج والغرب، أو عندما اًصبحت تلك الأنظمة منبوذة من الغرب والخليج بعد أن كانت محمودة منهم؟

 

٤) يتكلّم على أنّ بيروت كانت ساحة. لكن: ساحة لمن؟ فقط لعبد الناصر (وإيران فيما بعد)؟ حدِّثنا كيف أنّ أنظمة الخليج هي التي كانت أكبر مستثمِرة في صحافة لبنان وبخاصّة منذ تهديد عبد الكريم قاسم للكويت في ١٩٦١، عندما جال جابر العلي يبتاع ناشري الصُّحف ومحرّريها في لبنان مقابل إيصالات، وكيف أنّ بعض الناشرين رفض تلقّي إيصالات، إلى أن أصرّ العلي وإلّا امتنع عن الدفع؟ هل كانت الأنظمة الشيوعية وحيدة في عملها الاستخباراتي في لبنان؟ حدِّثنا عن نشاط علي الشاعر في لبنان مثلاً، ناهيك عن الأنظمة الغربيّة التي جعلت من لبنان قاعدة لها؟ وهل كانت بيروت مدينة خالية من السلاح والمال والاستخبارات عندما وصلت منظّمة التحرير إليها؟

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com