من دير الزور.. اكتشاف نوع جديد من العقارب السورية حيّر العلماء لعقود
في اكتشاف علمي جديد، تمكّن باحثون من توثيق نوع جديد من العقارب في محافظة دير الزور السورية، على الضفة الشرقية لنهر الفرات، بعد أن ظلّ مصنّفًا لسنوات ضمن نوع آخر من العقارب. وأطلق العلماء على النوع الجديد اسم «أندروكتونوس أوزاريكوس»، نسبةً إلى الاسم القديم لمدينة دير الزور خلال العصر الروماني، في خطوة تسلّط الضوء على التنوع البيولوجي غير المدروس في سورية، والتحديات التي واجهت البحث الميداني بسبب الحرب.
وأضافت سورية إلى السجل العلمي نوعاً جديداً من العقارب، جرى توثيقه العام الماضي في دير الزور على الضفة الشرقية لنهر الفرات، ومنحه العلماء اسم «أندروكتونوس أوزاريكوس».
ويشير الجزء الأول من الاسم إلى الجنس الذي ينتمي إليه العقرب، بينما استُمد الجزء الثاني من «أوزارا»، وهو الاسم القديم لمدينة دير الزور خلال العصر الروماني.
ويبدو العقرب المكتشف قريبا في شكله من أنواع أخرى تعيش في العراق والأردن وتركيا، وهي مناطق ترتبط جغرافيا ببيئة دير الزور، الأمر الذي جعله لا يلفت الانتباه في السابق.
لكن الباحثين إرسن ياغمور، من جامعة مانيسا جلال بايار في تركيا، وأحمد إيدك، من الهيئة العامة للبحوث الزراعية العلمية في سورية، أخضعا العينات لفحص دقيق، وتمكّنا من تسجيل مجموعة من الاختلافات بينه وبين الأنواع الموجودة في الدول المجاورة.
وأتاحت هذه الفروق للباحثين تصنيف العقرب بوصفه نوعًا مستقلًا، وهو ما أُعلن عنه في دراسة نُشرت مؤخرًا في دورية «جورنال أوف ناتشرال هيستوري».
يُعدّ أندروكتونوس أوزاريكوس كبير الحجم نسبيا، إذ يبلغ طول الذكور نحو 7.65 سنتيمترا، في حين يصل طول الإناث إلى نحو 8.82 سنتيمترا. ويتراوح لونه بين البني المحمر الداكن والبني الداكن.
لكن الأهمية العلمية للعقرب لا ترتبط بحجمه أو لونه فحسب، بل تكمن بصورة أساسية في التفاصيل الدقيقة لتركيب جسمه. إذ يحمل ذيله على جانبيه السفليين نتوءين مخروطيين كبيرين ومتباعدين، وهي إحدى الصفات التي تساعد العلماء على تمييزه من بعض الأنواع القريبة منه.
كما أن بعض الأجزاء الجانبية من الذيل تخلو من الحبيبات الواضحة، في حين تظهر هذه الحبيبات بكثافة لدى أنواع أخرى قريبة منه.
وقد لا تبدو هذه الفروق واضحة بالنسبة إلى الشخص العادي، لكنها تمثّل بالنسبة إلى علماء تصنيف العقارب مؤشرات مهمة، مكّنتهم من إثبات أن «أندروكتونوس أوزاريكوس»، الذي يُرجّح أنه عاش في المنطقة منذ مئات السنين، يمثل نوعًا جديدًا لم يكن معروفًا علميًا من قبل.
لماذا صُنّف سابقا باسم «أندروكتونوس كراسيكاودا»؟
لماذا صُنّف سابقا باسم «أندروكتونوس كراسيكاودا»؟
يوضح الباحث إرسن ياغمور أن النوع الجديد كان يُصنّف خطأً ضمن النوع المعروف باسم «أندروكتونوس كراسيكاودا». والمفارقة أن العديد من سلالات جنس «أندروكتونوس» في الدول المحيطة بسورية كانت تُدرج أيضا ضمن النوع نفسه، قبل أن تثبت الدراسات اللاحقة أنها أنواع مستقلة.
ومن بين هذه الاكتشافات عقرب جرى العثور عليه في تركيا، وحصل لاحقًا على اسم علمي جديد هو «أندروكتونوس توركيينسيس».
الفروق بين العقرب السوري والنوع التركي
الفروق بين العقرب السوري والنوع التركي
يتعلق الفارق الأول بين «أندروكتونوس أوزاريكوس» والنوع التركي بسطح أجزاء من الجسم، إذ تبدو هذه الأجزاء ملساء نسبيا في النوع السوري، بينما تكون مغطاة بحبيبات خشنة في النوع التركي.
أما الفارق الثاني فيظهر في منطقة «الكاراباس»، وهي الدرع الذي يغطي الجزء الأمامي من جسم العقرب. وتوجد داخل هذا الدرع مناطق تقع بين الخطوط المرتفعة أو الحواف، وتُعرف باسم الحواف الكيتينية البارزة.
وتحتوي هذه المناطق لدى النوع السوري على حبيبات ناعمة متوسطة الحجم، في حين تكون الحبيبات لدى النوع التركي أكبر حجما وأكثر خشونة.
ويظهر الفارق الثالث في جانبي الذيل، حيث تكون الجوانب الخارجية لجزءين من الذيل خالية تقريبا من الحبيبات لدى النوع السوري، بينما تكون مغطاة بالحبيبات بكثافة لدى النوع التركي.
أما الفارق الرابع، فيتعلق بالشعيرات الحسية الدقيقة جدا الموجودة على مخلب العقرب، والتي تُعرف باسم «تريكوبيثريا». وتساعد هذه الأعضاء الحسية العقرب على استقبال المعلومات من البيئة المحيطة به.
ويشرح ياغمور أن علماء العقارب يعتمدون نظامًا خاصًا لتسمية مواقع هذه الشعيرات. وقد وجد الباحثون أن الشعيرة التي تحمل الرمز «إي تي» في النوع السوري تقع بالقرب من شعيرة أخرى تُسمى «دي تي»، بينما تكون الشعيرة «إي تي» في النوع التركي تقريبًا في الجهة المقابلة للشعيرة «دي تي».
وتُستخدم الرموز «إي تي» و«دي تي» اصطلاحيًا لتحديد مواقع معينة للشعيرات الحسية الموجودة على زوائد العقرب، ولا سيما الملاقط.
الحرب السورية أخّرت تصنيف النوع الجديد
وعن الأسباب التي أخّرت تصنيف «أندروكتونوس أوزاريكوس» نوعًا مستقلًا، يشير الباحث أحمد إيدك إلى عاملين رئيسيين.
يتمثل العامل الأول في قلة الدراسات الميدانية، إذ تتطلب دراسة العقارب النزول إلى الميدان لجمع العينات، وتحديد مواقع وجودها، وفحصها باستخدام المجهر، ومقارنتها بالعينات المحفوظة. وفي بعض الحالات، يحتاج الباحثون أيضًا إلى إجراء تحاليل جينية، وهي عمليات تتطلب تمويلًا ووقتًا وباحثين متخصصين.
أما العامل الثاني، فيرتبط بـ الحرب السورية التي جعلت دراسة مساحات واسعة من البلاد أكثر صعوبة، وأعاقت الوصول إلى مناطق مختلفة وجمع العينات منها بصورة منتظمة.
استئناف العمل الميداني قد يكشف أنواعًا جديدة
استئناف العمل الميداني قد يكشف أنواعًا جديدة
يرى أحمد إيدك أن الدرس الأبرز من اكتشاف العقرب السوري الجديد يتمثل في أن سورية من الدول التي لم تحظَ أنواع العقارب فيها بدراسة علمية وافية. ومن المحتمل، وفقا لذلك، وجود أنواع إضافية لم تُكتشف بعد أو لم تُسجّل رسميا في المراجع العلمية.
ويقول إن المسوحات الميدانية المنهجية ستكون ذات قيمة كبيرة، ليس في دير الزور وحدها، بل أيضا في مناطق أخرى تمتلك ظروفا بيئية مشابهة. ويمكن لهذه المسوحات أن تساعد في تحديد النطاق الفعلي لانتشار «أندروكتونوس أوزاريكوس»، ورصد مجموعات إضافية منه، وربما الكشف عن أنواع لم تُصنّف أو لم يُعترف بها رسميًا حتى الآن.
ويعبّر إيدك عن ثقته بإمكانية الوصول إلى اكتشافات جديدة، مشيرا إلى أنه فقد شخصيا، بسبب ظروف الحرب، بعض العينات التي كانت بحوزته وجُمعت من مواقع مختلفة في أنحاء سورية.
وكانت بعض تلك العينات تُظهر اختلافات شكلية طفيفة مقارنةً بالأنواع المسجلة سابقًا في البلاد، ما يفتح احتمال أنها كانت تمثل أنواعا غير موصوفة علميًا، أو أنواعًا لم تُسجّل من قبل في سورية رغم ثبوت وجودها في الدول المجاورة.
ويبرز ذلك أهمية استئناف العمل الميداني والحفاظ على العينات العلمية، خصوصًا في المناطق التي لم تحظَ تاريخيًا إلا باهتمام بحثي محدود.
مزيد من الدراسات لفهم العقرب السوري الجديد
مزيد من الدراسات لفهم العقرب السوري الجديد
قبل أن يبدأ أحمد إيدك وزملاؤه من علماء العقارب البحث عن أنواع أخرى ربما حالت ظروف الحرب دون اكتشافها، لا تزال هناك معلومات عديدة يتعين جمعها حول «أندروكتونوس أوزاريكوس».
ويشير إيدك إلى أن النوع الجديد يستوطن منطقة محدودة على ضفاف نهر الفرات، حيث يحفر جحورًا في الجدران الطينية الجافة. ولا يزال من غير المعروف ما إذا كانت هذه السمة تقتصر على هذا التجمع السكاني تحديدًا، كما أن نطاق انتشار النوع داخل سورية لم يُوثّق بدقة حتى الآن.
ولهذا، ينبغي أن تركز الأبحاث المستقبلية على دراسة سلوك الحفر لدى العقرب، وتحديد توزيعه الجغرافي داخل سورية، وفهم علاقاته التطورية بالأنواع القريبة منه.
التحليلات الجزيئية والتاريخ التطوري
التحليلات الجزيئية والتاريخ التطوري
يوضح إيدك أن التحليلات الجزيئية يمكن أن تقدم معلومات مهمة حول التاريخ التطوري للنوع الجديد، لا سيما أن نطاق انتشاره المعروف يقع في منطقة تتوسط مناطق انتشار أنواع أخرى من جنس «أندروكتونوس» في تركيا والأردن والعراق.
وقد تساعد البيانات الجزيئية في فهم العلاقات بين هذه الأنواع المتقاربة جغرافيًا، إلى جانب توضيح العمليات التطورية والبيئية التي أسهمت في تشكيل أنماط انتشارها.
سم العقرب وأهميته المحتملة في الأبحاث الطبية
سم العقرب وأهميته المحتملة في الأبحاث الطبية
تكتسب دراسة سم جنس أندروكتونوس أهمية طبية، إذ يرتبط اسم الجنس بمعنى «قاتل البشر»، في إشارة إلى قوة سمه وخطورته المحتملة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تمثل دراسة التركيب الكيميائي لسم النوع السوري الجديد «أندروكتونوس أوزاريكوس» مجالًا مهمًا للبحث، بهدف تقييم أهميته الطبية المحتملة وفهم تأثيراته الممكنة على صحة الإنسان.
ويشير أحمد إيدك إلى أن أبحاث السموم قد تساعد في تحديد بروتينات نشطة بيولوجيًا وجزيئات أخرى يمكن أن تمتلك قيمة محتملة في مجال الأبحاث الطبية الحيوية واكتشاف الأدوية.
وبالتالي، فإن فهم سم هذا النوع الموصوف حديثًا قد لا يقتصر على قضايا الصحة العامة، بل يمكن أن يمتد إلى أبحاث أوسع تتعلق بالخصائص البيولوجية والدوائية لسموم العقارب.
يكشف اكتشاف «أندروكتونوس أوزاريكوس» في دير الزور عن جانب غير مكتشف من التنوع الحيوي في سورية، ويؤكد أن التشابه الشكلي بين الكائنات لا يعني بالضرورة انتماءها إلى النوع نفسه. كما يسلّط الاكتشاف الضوء على أهمية الدراسات الميدانية والتحليلات الجزيئية وحفظ العينات، خصوصًا في المناطق التي عانت من تراجع النشاط البحثي بسبب الحرب. وقد تفتح مواصلة البحث العلمي الباب أمام اكتشاف أنواع جديدة، فضلًا عن دراسة السموم وتطبيقاتها المحتملة في الطب والعلوم الحيوية.