لحظة إيران الصينية؟ من دولة محاصرة إلى عقدة يصعب تجاوزها في النظام الإقليمي
كتب باسم الموسوي
ليس السؤال الذي تطرحه الحرب على إيران اليوم هو ما إذا كانت طهران قد خرجت منها منتصرة أو مهزومة بالمعنى العسكري المباشر، بل ما إذا كانت المواجهة قد غيّرت الموقع الذي تحتله إيران داخل النظام الإقليمي نفسه. هذه هي الفكرة التي ينطلق منها الكاتب والاقتصادي الباكستاني خُرَّم حسين في مقال لافت بعنوان «لحظة إيران الصينية؟ من العزلة إلى الهيمنة الإقليمية»، نشرته Dawn أولاً في 17 أيلول/سبتمبر وأعادت The Daily Star نشره في اليوم التالي. حسين يذهب بعيداً في استنتاجاته، لكنه يطرح سؤالاً يستحق النقاش: هل وصلت إيران إلى لحظة تشبه، مع اختلافات جوهرية، اللحظة التي خرجت فيها الصين من عزلتها الثورية وبدأت تتحول من دولة محاصرة إلى طرف لا يستطيع النظام الدولي تجاهله؟
المقارنة ليست بين إيران والصين من حيث الحجم أو الاقتصاد أو القدرة على التحول إلى قوة عالمية. حسين نفسه يقر بأن إيران لن تصبح الصين الجديدة. المقارنة تتعلق باللحظة التاريخية التي تنتقل فيها دولة عاشت طويلاً وراء جدار سياسي واقتصادي إلى موقع تصبح فيه إعادة إدماجها أكثر واقعية من استمرار محاولة عزلها. الصين عاشت بعد ثورة 1949 عقوداً من القطيعة والصراع، قبل أن يفتح التقارب مع الولايات المتحدة الطريق أمام عودتها التدريجية إلى الاقتصاد العالمي. ثم جاءت إصلاحات دنغ شياوبنغ لتحوّل الانفتاح السياسي الخارجي إلى مشروع اقتصادي داخلي غيّر الصين والعالم.
إيران، وفق هذه القراءة، تقف أمام باب مشابه لكن بطريق مختلف تماماً. لم تصل إلى هذه اللحظة عبر انفراج دبلوماسي منظم، بل عبر حرب وصراع على مضيق هرمز وعقوبات امتدت عقوداً. ولذلك فإن خروجها من العزلة، إن وقع، لن يكون على الأرجح نسخة إيرانية من انفتاح الصين الهادئ في السبعينيات والثمانينيات، بل عملية مضطربة تتداخل فيها القوة العسكرية بالاقتصاد وبالصراع على شكل النظام الإقليمي المقبل.
وهنا توجد النقطة الأهم في مقال حسين. فالتحول الذي يتحدث عنه لا يعني أن إيران أصبحت أقوى من الولايات المتحدة، ولا أن واشنطن فقدت القدرة على إلحاق أضرار هائلة بها. المعنى هو أن الكلفة المطلوبة لإخضاع إيران سياسياً باتت أعلى من مجرد القدرة على ضربها عسكرياً. لقد أصبح السؤال يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية مستقرة، لا بما إذا كانت تستطيع تدمير أهداف إيرانية. واستمرار اضطراب هرمز، واعتماد إيران المتزايد على طرق برية لتجاوز الحصار البحري، يظهران أن طهران تحاول تحويل قدرتها على الصمود والتعطيل إلى قدرة على فرض نفسها في أي ترتيب لاحق. وتشير تقارير حديثة إلى أن حركة التجارة الإيرانية تحولت بصورة متزايدة إلى المعابر البرية مع تركيا ودول الجوار، وإن كان ذلك بكلفة أعلى وبقدرة لا تعوض بالكامل التجارة البحرية.
لكن اللحظة الإيرانية، قبل أن تكون لحظة إقليمية، هي في جوهرها لحظة داخلية. فالدولة التي تخرج من حرب بهذا الحجم لا تواجه فقط سؤال علاقتها بالولايات المتحدة أو إسرائيل أو الخليج، بل السؤال الأكثر تعقيداً: ماذا تفعل بالقوة التي اكتسبتها وبالكلفة التي دفعتها؟ هنا يستعيد حسين التجربة الصينية. الصين لم تصبح قوة عالمية لأنها خرجت من العزلة وحدها؛ أصبحت كذلك لأن الصراع داخل الحزب الشيوعي انتهى إلى انتصار تيار قرر إعادة توجيه الدولة من الثورة الدائمة إلى التنمية والانفتاح المنضبط.
وهذا هو المفترق الذي يراه أمام إيران. ثمة، في تصويره، اتجاه براغماتي يريد إنهاء الحرب والانتقال إلى إعادة البناء واستعادة التجارة والاستثمار، واتجاه آخر يرى أن الحرب لم تنتهِ بعد وأن اللحظة ينبغي استثمارها لإخراج الولايات المتحدة من المنطقة وفرض أثمان أكبر على الخصوم. يصعب من الخارج قياس الوزن الحقيقي لكل تيار، ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الثنائية باعتبارها إطاراً تحليلياً يقدمه الكاتب لا خريطة مؤكدة لموازين القوى داخل النظام الإيراني. لكن السؤال الذي تطرحه يبقى مركزياً: هل تستخدم إيران القوة التي راكمتها للخروج من الثورة، أم لاستكمالها؟
الفرق بين المسارين هائل. المسار الأول يجعل مضيق هرمز ورقة تفاوض على رفع العقوبات وإعادة الإعمار وضمانات الأمن والتجارة. أما الثاني فيحوّل هرمز إلى أداة مستمرة لإعادة توزيع القوة والثروة داخل الخليج. حسين يذهب إلى أن إيران قد تستخدم موقعها الجديد للمطالبة بتعويضات ضخمة عن أضرار الحرب، ويربط ذلك بمطالب سبق أن طرحتها طهران وبصندوق إعادة إعمار قيمته 300 مليار دولار ظهر في الاتفاق المرحلي الأميركي–الإيراني في حزيران. لكن تحويل هذه المطالب إلى مدفوعات مفروضة على الملكيات الخليجية هو استنتاج مستقبلي للكاتب وليس نتيجة قائمة حتى الآن. الاتفاق المرحلي نفسه تحدث عن صندوق واسع لإعادة إعمار إيران، لكنه لم يجعل دول الخليج ببساطة ملزمة بدفع «فاتورة الحرب» كما يتوقع حسين.
وهنا تظهر حدود تشبيه الصين أيضاً. الصين دخلت النظام العالمي في بيئة كانت الولايات المتحدة راغبة فيها باستخدام بكين لموازنة الاتحاد السوفياتي، ثم استفادت من اقتصاد عالمي يبحث عن العمالة الرخيصة والإنتاج الصناعي واسع النطاق. إيران تدخل لحظتها المفترضة في بيئة أكثر عدائية بكثير: بنية تحتية متضررة، عقوبات متراكمة، تضخم مرتفع، مجتمع دفع أثماناً كبيرة للحرب، وإقليم يخشى القوة الإيرانية أكثر مما يرغب في تمويل صعودها. ولهذا فإن مجرد الصمود لا ينتج «لحظة دنغ شياوبنغ». الصمود يفتح الباب، لكنه لا يحدد ما يقع بعده.
الأهم أن دول الخليج نفسها لم تعد تنتظر لترى ماذا ستفعل إيران. اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي أكدت أطرافه أنه إطار دفاعي وليس تحالفاً هجومياً ضد دولة بعينها، يكشف أن المنطقة بدأت تبني شبكات أمنية جديدة تحسباً لمرحلة يصبح فيها الاعتماد الحصري على المظلة الأميركية أقل اطمئناناً. وفي الأسابيع الأخيرة دخلت باكستان على خط الضغط على طهران للحد من الهجمات الحوثية على السعودية، مستندة إلى علاقتها مع الرياض وقدرتها في الوقت نفسه على مخاطبة الإيرانيين.
لذلك لا ينبغي قراءة الصعود الإيراني بوصفه انتقالاً بسيطاً من «هيمنة أميركية» إلى «هيمنة إيرانية». الأرجح أننا أمام نظام أكثر تعقيداً: إيران أقوى من أن تُعزل كما في السابق، السعودية أقل استعداداً لأن يكون أمنها رهناً حصراً بقرار أميركي، تركيا تتحول إلى لاعب أمني أكبر، باكستان تدخل بصورة أوضح في معادلات الخليج، والصين وروسيا تبحثان عن مواقع داخل شبكة تتراجع فيها القدرة الأميركية على التحكم بكل تفاصيلها.
في مثل هذا النظام تصبح السيطرة نفسها مفهوماً مختلفاً. هرمز يقدم المثال الأوضح. السيطرة لا تعني بالضرورة إغلاق المضيق بالكامل؛ يمكن أن تعني امتلاك قدرة كافية على جعل المرور فيه مشروطاً ومكلفاً وغير مضمون. وحتى الآن لا تزال صادرات نفط خليجية تمر عبر المضيق، وقد زادت أرامكو فعلياً شحناتها عبر الخليج في أيلول وتشرين الأول بعد تعطل جزء من طريق البحر الأحمر. وهذا وحده يفرض قدراً من الحذر على أي حديث عن «سيطرة إيرانية كاملة» على هرمز. لكن حقيقة أن الشركات والدول باتت تعيد حساب مساراتها وتأمينها وتكاليفها تكشف أن إيران استطاعت أن تجعل المضيق أداة سياسية واقتصادية، لا مجرد جغرافيا بحرية.
وهذا ربما هو المعنى الأكثر دقة لما يسميه حسين «لحظة إيران الصينية». ليس لأن إيران على وشك أن تصبح الصين، بل لأن الحرب أعادت طرح السؤال الذي ظل النظام الدولي يؤجله منذ 1979: هل يمكن الاستمرار في التعامل مع دولة بهذا الموقع الجغرافي، وبهذا الحجم السكاني، وهذه القدرة على التأثير في الطاقة والممرات والجوار، كما لو كان عزلها الدائم ترتيباً قابلاً للاستمرار؟
قد تكون الإجابة أن إيران ستستغل اللحظة لتعيد بناء نفسها وتدخل في تسويات تسمح لها بتحويل موقعها الجغرافي والعسكري إلى نمو اقتصادي. وقد تكون الإجابة المعاكسة: أن القوى الأكثر تشدداً ستعتبر الصمود إثباتاً لجدوى التصعيد، فتحول النفوذ الجديد إلى سلسلة مطالب وضغوط وحروب، وتبدد المكاسب في مشروع انتقام إقليمي مفتوح.
ولهذا فإن المسألة ليست ما إذا كانت إيران قد ربحت الحرب فقط، بل ما إذا كانت قادرة على ربح ما بعد الحرب. الصين لم تصعد لأنها تحدت العالم إلى ما لا نهاية، بل لأنها عرفت، في لحظة معينة، كيف تحول نهاية العزلة إلى تجارة واستثمار وتصنيع وقوة دولة. إيران اليوم قد تكون أمام فرصة تاريخية مختلفة تماماً في ظروفها، لكنها متشابهة في سؤالها الأساسي: هل تستخدم القوة كي تفتح الباب، أم تستخدمها لإبقائه مغلقاً؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي لـ«اللحظة الإيرانية». فالقوة العسكرية تستطيع أن تفرض الاعتراف بوجودك، وأن تجعل عزلتك مكلفة للآخرين، وأن تمنحك أوراق تفاوض لم تكن تملكها. لكنها لا تستطيع وحدها بناء ما فعلته الصين بعد انفتاحها: تحويل الاعتراف بالقوة إلى تراكم للقوة. وبين الاثنين يتحدد ما إذا كانت إيران أمام بداية صعود طويل، أم أمام ذروة عسكرية عابرة ستكتشف لاحقاً أن القدرة على تعطيل النظام أسهل بكثير من القدرة على بناء موقع دائم داخله.

