شريحة سيليكون من هارفارد تفتح الطريق أمام تصنيع الحمض النووي خارج المختبرات
تمكن فريق من الباحثين بقيادة جامعة هارفاردمن تطوير تقنية جديدة لتحويل شريحة سيليكون إلى مصنع صغير لكتابة الحمض النووي، بالاعتماد على الماء والكهرباء بدلاً من الأساليب الكيميائية التقليدية التي تتطلب استخدام كميات كبيرة من المذيبات العضوية.
ويتمثل هذا الإنجاز في تطوير شريحة قادرة على تصنيع 64 تسلسلاً مختلفاً من الحمض النووي في آن واحد، ما يمثل تقدماً في مجال التخليق الإنزيمي للحمض النووي الاصطناعي، وقد يساهم مستقبلاً في تطوير أجهزة محمولة تنتج الحمض النووي عند الحاجة، بعيداً عن مرافق التصنيع المركزية.
يعتمد إنتاج معظم الحمض النووي الاصطناعي حالياً على تقنية كيميائية تُعرف باسم “كيمياء الفوسفوراميت”، وهي طريقة تتيح إنشاء ملايين التسلسلات بالتوازي، لكنها تتطلب استخدام مذيبات عضوية لا مائية قابلة للاشتعال، ما يفرض شروطاً تشغيلية خاصة داخل المختبرات ومرافق التصنيع.
و أوضح الأستاذ المساعد في قسم الهندسة الكيميائية بجامعة بوهانغ للعلوم والتكنولوجيا في كوريا الجنوبية، وو بين جونغ، أن المشكلة الأساسية في الطريقة التي طورها مارفن كاروثرز في أوائل ثمانينيات القرن الماضي تتمثل في اعتمادها على مذيبات عضوية خطرة وقابلة للاشتعال.
وأشار إلى أن هذه العملية تحتاج إلى ظروف خالية تماماً من الماء وتهوية متخصصة، وهو ما يفسر، بحسب شرحه، تصنيع الحمض النووي في مرافق مركزية بدلاً من إنتاجه داخل مختبرات صغيرة بجوار مواقع الاستخدام.
وأضاف أن الطرق الإنزيمية السابقة كانت متأخرة بصورة كبيرة عن الأساليب الكيميائية من حيث عدد تسلسلات الحمض النووي التي يمكن إنتاجها في الوقت نفسه، إذ لم تكن الأنظمة السابقة قادرة على إنشاء أكثر من 12 تسلسلاً بالتوازي.
تقنية هارفارد تنتج 64 تسلسلاً في وقت واحد
تقنية هارفارد تنتج 64 تسلسلاً في وقت واحد
كشفت الدراسة التي أعدها فريق جامعة هارفارد أن شريحة السيليكون الجديدة قادرة على تصنيع 64 تسلسلاً مختلفاً من الحمض النووي في آن واحد، متجاوزة بذلك العدد الذي كانت تتيحه الأنظمة الإنزيمية السابقة.
وتعتمد التقنية على نهج إنزيمي يجري في وسط مائي، حيث تُستخدم تيارات كهربائية مضبوطة بدقة لتحفيز تفاعلات بناء الحمض النووي في مواقع محددة على سطح الشريحة.
ويتيح هذا التصميم دمج عمليات تصنيع متعددة داخل مساحة صغيرة، ما قد يساعد على تطوير أجهزة أكثر مرونة وقابلية للنقل، ويقلل الحاجة إلى نقل الحمض النووي المصنّع من مرافق متخصصة إلى أماكن استخدامه.
الماء والكهرباء بدلاً من المذيبات العضوية
الماء والكهرباء بدلاً من المذيبات العضوية
تتمثل إحدى أبرز مزايا التقنية الجديدة في تقليل الاعتماد على المذيبات العضوية المستخدمة في تصنيع الحمض النووي الاصطناعي، إذ تجري العملية في محلول مائي وبواسطة إنزيم يعمل عند درجة حرارة تبلغ 41 درجة مئوية.
وقال وو بين جونغ إن الطريقة الجديدة تكاد تكون خالية من المذيبات، موضحاً أن التفاعل الكيميائي يحدث في وسط مائي، كما لا ينتج عنه تيار من النفايات العضوية القابلة للاشتعال، إذ تكون النفايات الناتجة مائية أيضاً.
وتوفر هذه الخصائص إمكانية تقليل المخاطر المرتبطة بالتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، فضلاً عن خفض الأثر البيئي المحتمل لعمليات تصنيع الحمض النووي على نطاق واسع.
تصنيع الحمض النووي عند الحاجة
تصنيع الحمض النووي عند الحاجة
لا تقتصر أهمية شريحة السيليكون على تقليل استخدام المذيبات، بل تمتد إلى إمكانية تصنيع الحمض النووي في الموقع الذي يحتاج إليه المستخدم، بدلاً من إنتاجه في منشأة مركزية ثم نقله إلى المختبر أو المؤسسة المعنية.
وأوضح الباحث أن التخليق التقليدي يتطلب توصيل الحمض النووي إلى الموقع المطلوب بعد تصنيعه، بينما تتيح التقنية الجديدة إنتاجه مباشرة في المكان الذي يُستخدم فيه.
وقد تفتح هذه الإمكانية المجال أمام أجهزة كتابة حمض نووي محمولة، يمكن استخدامها مستقبلاً في المختبرات الصغيرة أو البيئات التي يصعب فيها الوصول إلى مرافق التصنيع المتخصصة.
تطبيقات محتملة في تشخيص الأمراض والأبحاث
تطبيقات محتملة في تشخيص الأمراض والأبحاث
يمكن أن تدعم أجهزة تصنيع الحمض النووي عند الطلب مجموعة من التطبيقات العلمية والطبية، خصوصاً في المجالات التي تحتاج إلى إنتاج تسلسلات وراثية بسرعة ومرونة.
ومن بين الاستخدامات المحتملة:
تطوير اختبارات تشخيصية للأمراض، بما فيها بعض الاختبارات المرتبطة بالسرطان.
دعم الأبحاث البيولوجية والجينية داخل المختبرات الصغيرة.
تسهيل إجراء التجارب العلمية في المناطق النائية أو التي تفتقر إلى مرافق متخصصة.
تقليل الوقت والجهد اللازمين للحصول على تسلسلات الحمض النووي المطلوبة.
تطوير أدوات محمولة للتخليق الجيني يمكن تشغيلها عند الحاجة.
وتبقى هذه التطبيقات ضمن الآفاق التي قد تدعمها التقنية، إذ يتطلب الانتقال إلى الاستخدامات الطبية والعملية الواسعة مزيداً من التطوير والتحقق من الأداء والاعتمادية.
هل يمكن استخدام الحمض النووي لتخزين البيانات؟
هل يمكن استخدام الحمض النووي لتخزين البيانات؟
يمثل تخزين البيانات باستخدام الحمض النووي أحد الأهداف طويلة الأمد التي يدرسها الباحثون، نظراً إلى قدرته النظرية على حفظ كميات هائلة من المعلومات في حجم صغير للغاية.
لكن هذا المجال يتطلب تصنيع الحمض النووي على نطاق واسع جداً، ما يجعل سرعة الإنتاج وكلفته وأثره البيئي عوامل أساسية في تحديد مدى قابلية هذه التقنية للتطبيق.
ويرى الباحثون أن التخليق الإنزيمي المائي قد يصبح أكثر جاذبية مع زيادة أحجام الإنتاج، خصوصاً إذا أسهمت التقنية الجديدة في تقليل الاعتماد على المذيبات العضوية وتحسين كفاءة عمليات التصنيع.
خطوة نحو تصنيع أكثر استدامة للحمض النووي
خطوة نحو تصنيع أكثر استدامة للحمض النووي
يمثل تطوير شريحة السيليكون القادرة على كتابة الحمض النووي باستخدام الماء والكهرباء تقدماً في مسار البحث عن بدائل أكثر مرونة وأقل اعتماداً على المواد الكيميائية الخطرة.
ورغم أن التقنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من التطوير قبل أن تصبح بديلاً واسع النطاق للطرق التقليدية، فإن الجمع بين التخليق الإنزيمي والتحكم الكهربائي الدقيق قد يساهم في تغيير طريقة إنتاج الحمض النووي الاصطناعي مستقبلاً.
ومع استمرار الأبحاث، قد تتوسع إمكانات هذه الشرائح لتشمل تطبيقات في التشخيص والبحث العلمي وتخزين البيانات، بالتوازي مع السعي إلى تقليل الأثر البيئي لعمليات تصنيع الحمض النووي.