متى تنتصر «إسرائيل»؟
صحيفة الأخبار: بقلم عمر نشابة

في مقالته في صحيفة «الأخبار»، بعنوان «متى تنتصر إسرائيل؟»، يطرح الكاتب عمر نشابة سؤالاً يتجاوز الحسابات العسكرية والسياسية للصراع مع الاحتلال، ليتناول أثر الحرب في الوعي الإنساني ومنظومة القيم. ويناقش الكاتب كيف يمكن للقوة أن تتحوّل، في بعض الخطابات والمواقف، إلى معيار لتحديد الحق والباطل، وكيف يمكن للخوف من كلفة الاعتراض أن يضعف التضامن مع الضحايا ويُعيد توجيه المسؤولية من المعتدي إلى المعتدى عليه.

ويستعرض نشابة مجموعة من المظاهر التي يعتبرها من أخطر تداعيات الحرب، من اتهام الضحية بسبب هويتها السياسية أو الطائفية، إلى تطبيع مشاهد القتل والدمار وتحويل المآسي الإنسانية إلى أرقام وأخبار عابرة. كما يربط بين الاستعمار العسكري والاستعمار الثقافي، متوقفاً عند دور المثقفين والمؤسسات الحقوقية والأكاديمية في الدفاع عن المبادئ عندما يصبح الالتزام بها مكلفاً.

وتخلص المقالة إلى أن الانتصار لا يُقاس بالقدرة على التدمير والاحتلال وحدها، بل بمدى التأثير في وعي الناس وقيمهم، مؤكدة أن الحفاظ على إنسانية الإنسان ورفض تحويل الظلم إلى أمر طبيعي يشكّلان جوهر المواجهة الأخلاقية مع الاحتلال.

 

الانتصار لا يُقاس بالقوة العسكرية وحدها

الانتصار لا يُقاس بالقوة العسكرية وحدها
الانتصار لا يُقاس بالقوة العسكرية وحدها

يفتتح عمر نشابة مقالته بالتأكيد أن القتل يبقى قتلاً، والاحتلال يبقى احتلالاً، بصرف النظر عن قوة الجهة التي ترتكبهما أو حجم الدعم السياسي الذي تحظى به. ومن هذا المنطلق، يميّز الكاتب بين القدرة العسكرية على التدمير وبين الانتصار الحقيقي الذي يراه مرتبطاً بالتأثير في وعي الناس وقيمهم.

فبحسب المقالة، لا يتحقق الانتصار الإسرائيلي بمجرد قتل المزيد من الأشخاص أو احتلال المزيد من الأراضي، بل عندما تنجح القوة في فرض نفسها معياراً للحق، فيُنظر إلى القوي على أنه محق لمجرد امتلاكه أدوات القوة، وإلى الضعيف على أنه مخطئ لأنه عاجز عن حماية نفسه.

ويضع نشابة هذا التحول في مواجهة مباشرة مع منظومة القيم الإنسانية، محذراً من أن يصبح المال والمصلحة الشخصية والوظيفة أهم من حياة الإنسان والعدالة.

 

من سؤال الاحتلال إلى سؤال المقاومة

 «المقاومة» خلال حرب الجنوب
«المقاومة» خلال حرب الجنوب

 

يتوقف الكاتب عند ما يعتبره تحوّلاً خطيراً في بعض الأوساط اللبنانية، يتمثل في انتقال النقاش من السؤال عن الاحتلال والقتل والعدوان إلى السؤال عن كلفة الاعتراض والمقاومة.

ويشير إلى أن هذا التحول يجعل الخوف من الثمن معياراً للحكم على المواقف، بحيث يصبح الصمت واقعية، والتخلّي عن المظلوم عقلانية، فيما يُنظر إلى الدفاع عن العدالة بوصفه مغامرة أو تهوّراً.

ويطرح نشابة سؤالاً أخلاقياً مركزياً: هل ينبغي أن تتحدد العدالة وفقاً لموازين القوى، أم أن الحق يبقى حقاً حتى عندما يكون الدفاع عنه مكلفاً؟

 

اتهام الضحية وإسقاط إنسانيتها

يوميات الضحايا في جنوب لبنان تحت القصف
يوميات الضحايا في جنوب لبنان تحت القصف

في محور «انتصار» باتهام الضحية، يناقش الكاتب كيفية التعامل مع الضحايا في بعض الخطابات اللبنانية، معتبراً أن الانقسام السياسي والطائفي قد يطغى أحياناً على البعد الإنساني للقتل والدمار.

ويضرب مثالاً بالبيوت المهدمة في الجنوب، وبالضحايا الذين قد يُنظر إليهم أولاً من خلال انتمائهم السياسي أو الحزبي، بدلاً من النظر إليهم كأشخاص تعرضوا للقتل أو فقدوا منازلهم.

ويرى أن أخطر ما في هذا المسار هو انتقال السؤال من مسؤولية المعتدي إلى مسؤولية الضحية، ومن البحث في أسباب الاحتلال والعدوان إلى مساءلة من يقاومهما.

الاستعمار الثقافي وإعادة تشكيل الوعي

يطرح نشابة مفهوم «استعمار الوعي» بوصفه امتداداً للاستعمار العسكري، موضحاً أن السيطرة لا تحتاج دائماً إلى وجود جنود على الأرض، بل قد تتحقق من خلال التأثير في طريقة تفكير الناس ونظرتهم إلى أنفسهم وإلى حقوقهم.

وفي هذا السياق، ينتقد الكاتب ما يعتبره إعادة تعريف لبعض المفاهيم، بحيث يُصنّف التمسك بالحقوق على أنه تطرف، ويُقدَّم التكيّف مع الظلم على أنه عقلانية.

كما يربط بين هذا التحول وبين تراجع المواقف الأخلاقية أمام المصالح الشخصية والمهنية، متناولاً المثقف الذي يخشى على منصبه، والأكاديمي الذي يحسب كلفة الكلمة، والعامل في المؤسسات الحقوقية الذي قد يتردد في مواجهة الانتهاكات خشية إزعاج المموّل.

 

عندما تصبح حقوق الإنسان مكلفة

ينتقل المقال إلى مساءلة الخطاب الحقوقي العالمي، متسائلاً عن قيمة المبادئ الإنسانية عندما يصبح الدفاع عنها مكلفاً.

ويشير نشابة إلى انتشار المؤسسات والبرامج والمؤتمرات التي تتناول الكرامة الإنسانية والقانون الدولي وحماية المدنيين، لكنه يرى أن الاختبار الحقيقي لهذه المبادئ يظهر عندما يتطلب الالتزام بها مواجهة الظلم أو تحمّل تبعات الموقف.

وفي هذا الإطار، يطرح الكاتب سؤالاً عن دور المدافعين عن حقوق الإنسان عندما يصبح الاعتراض على الجرائم أكثر كلفة من الصمت عنها، معتبراً أن قوة المبادئ لا تُقاس بحضورها في الخطابات، بل بمدى الالتزام بها في الظروف الصعبة.

 

تطبيع المأساة وتحويل الضحايا إلى أرقام

من أبرز محاور المقالة، تحذير الكاتب من الاعتياد على مشاهد القتل والدمار والنزوح والأسر والفقدان.

فبحسب نشابة، تكمن الخطورة في انتقال المذبحة من صدمة إلى خبر، ومن خبر إلى رقم، ومن رقم إلى خلفية اعتيادية للحياة اليومية. وعندما تصبح صور الأطفال الشهداء والبيوت المدمرة والعائلات المنكوبة مشاهد مألوفة، يتراجع وقع المأساة في الوعي العام.

ويؤكد الكاتب أن اللامبالاة تمثل أحد أخطر ما يمكن أن ينتجه استمرار الظلم، لأنها تضعف القدرة على التفاعل مع الضحايا وتقلل من حساسية المجتمع تجاه الجرائم.

 

متى لا تنتصر «إسرائيل»؟

في خاتمة المقالة، يقدّم عمر نشابة تصوره للظروف التي لا يتحقق فيها الانتصار الإسرائيلي، من خلال التمسك بالقيم الإنسانية ورفض جعل القوة مصدراً للحق.

ويؤكد أن الاحتلال يجب أن يُسمّى احتلالاً، والقتل قتلاً، والتهجير تهجيراً، والتجويع تجويعاً، بعيداً عن محاولات تبرير الظلم أو تجميله.

كما يرى أن البيوت المهدمة والأراضي المحتلة والمدن المدمرة يمكن إعادة إعمارها وتحريرها، لكن ترميم الإنسان بعد انهيار منظومة القيم داخله أكثر صعوبة.

 

يضع عمر نشابة في مقالته سؤال الانتصار الإسرائيلي ضمن إطار أخلاقي وإنساني، متجاوزاً مفهوم الغلبة العسكرية إلى أثر الاحتلال في الوعي والقيم والمواقف. وتتمحور فكرته الأساسية حول أن أخطر نتائج الظلم لا تقتصر على الدمار المادي، بل تشمل تطبيع المأساة، وإعادة توجيه المسؤولية نحو الضحية، وتحويل الخوف من كلفة الاعتراض إلى مبرر للصمت.

ومن خلال هذه المقاربة، تدعو المقالة إلى إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه قيمة أساسية، وإلى عدم إخضاع العدالة لموازين القوة أو المصالح الشخصية.

 

القتل قتل مهما كان القاتل قوياً، والاحتلال احتلال مهما امتلك المحتل من طائرات وصواريخ ودعم سياسي، والجريمة لا تتحوّل إلى فضيلة لأن مرتكبها يستطيع الإفلات من العقاب. و«إسرائيل» بما تمثّله من مشروع استعماري استيطاني قام على اقتلاع شعب وإحلال آخر مكانه وبما رسّخته من منظومة تمييز وسيطرة على الفلسطينيين واللبنانيين، تستطيع أن تدمّر الكثير وأن تقتل الكثير وأن تحتل المزيد من الأرض لكن انتصارها الحقيقي يبدأ في مكان آخر تماماً: تنتصر إسرائيل عندما تدخل إلى عقول الناس، وعندما تنجح في تغيير ميزان القيم داخلهم، عندما يصبح القوي محقاً لأنه قوي، والضعيف مخطئاً لأنه عاجز عن حماية نفسه، وعندما يصبح المال أثمن من الإنسان والوظيفة أهم من الموقف والمرسيدس أغلى من حياة طفل والشقة الفخمة أهم من بيت هُدم فوق رؤوس أصحابه.

تنتصر «إسرائيل» عندما يصبح الحفاظ على المصالح الشخصية الصغيرة معياراً للحكمة فيما الدفاع عن العدالة نوعاً من التهوّر وعندما يُسمّى الخوف واقعية والصمت نضجاً والتخلّي عن المظلوم عقلانية. يومها لا تعود «إسرائيل» بحاجة إلى إقناع أحد بأنها على حق، بل يكفي أن تُقنِع الناس بأن مقاومتهم لها مُكلِفة وأن الكلفة وحدها سبب كافٍ كي نصمت ونتراجع ونستسلم.

وهنا يكمن واحدٌ من أخطر التحوّلات التي أصابت جزءاً من المجتمع اللبناني حيث لم يعد السؤال عمّا هو عادل أو ظالم ولا عمّن يقتل ومن يُقتل ولا عمّن يحتل ومن تُحتل أرضه، بل صار السؤال: هل يمكن تحمّل ثمن الاعتراض؟ وكأن الحق يصبح باطلاً إذا كان صاحبه ضعيفاً، وكأن الظلم يصبح قدراً إذا كان الظالم يمتلك طائرة إف 16 وكأن الحكمة تقتضي الوقوف جانباً فيما يُقتل الآخرون لأن من يقتلهم يستطيع أن يقتل من يدافع عنهم أيضاً. لكن مهلاً، منذ متى كانت الأخلاق مشروطة بموازين القوى وما معنى العدالة إذا كانت تصلح فقط عندما يكون ثمنها زهيداً؟

 

«انتصار» باتهام الضحية

تنتصر «إسرائيل» عندما تهدم بيتاً في الجنوب ويشاهد بعض اللبنانيين ذلك ولا يرون فيه بيتاً لبنانياً، بل بيت بيئة سياسية وطائفية ومذهبية يختلف معها. «إسرائيل» لا تنتصر عندما يستشهد لبناني تحت القصف، بل عندما يصبح السؤال الأول بعد موته: إلى أي حزب كان ينتمي؟ ولا تنتصر عندما تقتل طفلاً، بل عندما يصبح ذلك الطفل رقماً آخر يضاف إلى رقم سبق أن نُشر بالأمس ولم يتغير شيء. إن الهزيمة الحقيقية هي أن يفقد اللبنانيين القدرة على رؤية الإنسان قبل معرفة هويته السياسية والطائفية والحزبية وأن يصبح اختلاف البعض مع حزب الله سبباً لعدم التضامن مع الجنوبيين، أو أن يجد بعض اللبنانيين تفسيراً سطحياً يخفّف في وعيهم ومن مسؤولية من يقصف ويقتل ويهدم.

من أخطر نجاحات إسرائيل تمكّنها من قلب السؤال في بعض الأوساط اللبنانية والعربية من «لماذا الاحتلال» إلى «لماذا المقاومة»؟ وبدلاً من السؤال لماذا تقصف إسرائيل لبنان وتقتل اللبنانيين؟ يصبح لماذا يوجد لبنانيون يقاومون «إسرائيل» في لبنان ولا يريدون السلام معها؟ هكذا تنتقل المحاكمة من المعتدي إلى الضحية.

 

استعمار الوعي

الاستعمار لا يحتاج دائماً إلى جنود ويكفيه أن ينجح في إعادة صياغة وعي من يستعمرهم وأن يجعلهم ينظرون إلى أنفسهم بعينه وأن يشعروا بالخجل من مقاومته، لا من الخضوع له. فالاستعمار الثقافي يصنّف المتمسك بحقوقه «متطرفاً» والتكيّف مع الظلم «عقلانية». وهكذا يصبح الاستسلام للواقع فضيلة ومحاولة تغييره مغامرة غير مسؤولة. وعندما يصل الأمر إلى هنا، تكون أخطر مستعمرة إسرائيلية قد أُنشئت بالفعل أي المستعمرة التي تقوم ليس فوق أرضنا المحتلة، بل داخل منظومة القيم.

منذ متى كانت الأخلاق مشروطة بموازين القوى وما معنى العدالة إذا كانت تصلح فقط عندما يكون ثمنها زهيداً؟

ويتحقّق ذلك عندما يصبح النجاح الشخصي أهم من المصير الجماعي وعندما يكون الحفاظ على الراتب أهم من قول الحقيقة وعندما يتراجع المثقف عن موقفه خوفاً على منصبه وعندما يحسب الأكاديمي كلفة الكلمة قبل أن يحسب كلفة الصمت وعندما يعرف العامل في منظمة حقوقية أن ما يحدث أمامه انتهاك فادح لكنه يبحث عن صياغة لا تزعج المموّل وعندما تصبح بعض الجامعات والمؤسسات والمنابر الغربية أكثر استعداداً لمعاقبة الاعتراض على الجرائم من استعدادها لمواجهة الجرائم نفسها.
فالمشكلة تكمن في النظام الأخلاقي الذي سمح للقوة بأن تحدّد حدود المقبول والمرفوض.

 

حين تصبح حقوق الإنسان مُكلِفة

السؤال اليوم أين المدافعون عن حقوق الإنسان عندما يصبح الدفاع عن حقوق الإنسان مُكلِفاً؟ لقد امتلأ العالم خلال العقود الماضية بالمؤسسات والمؤتمرات والكليات والبرامج والجوائز والخبراء الذين يتحدّثون عن الكرامة الإنسانية والقانون الدولي وحماية المدنيين لكن قيمة هذه المبادئ لا تظهر عندما يكون الدفاع عنها آمناً، بل عندما يصبح لها ثمن. هنا أيضاً يمكن لإسرائيل أن تنتصر: عندما تجعل كثيرين يخافون الاعتراض عليها أكثر مما يخافون رؤية الظلم.

لكن أخطر انتصاراتها ربما يكون أكثر بساطة: أن نطبّع ونعتاد صورة الطفل الشهيد والبيت المُدمّر والعائلة المنكوبة والأسير والمفقود والنازح والخيمة والمقبرة.

الأخطر أن تتحوّل المذبحة من صدمة إلى خبر، والخبر من حدث إلى رقم، والرقم من مأساة إلى خلفية اعتيادية لحياتنا اليومية. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في حال صدمة دائمة وهذه حقيقة مفهومة لكنّ هناك فرقاً بين الحماية من الانهيار النفسي واللامبالاة. حين تصبح المجازر الإسرائيلية أمراً عادياً يربح القاتل شيئاً لا تمنحه إياه أي دبابة أو طيارة: اللامبالاة. واللامبالاة هي الحليف الأكبر لكل ظلم.

 

متى لا تنتصر «إسرائيل»؟

لا تنتصر إسرائيل ما دام الناس يرفضون أن تصبح القوة مصدراً للحق، وما دام الطفل أي طفل أغلى بالنسبة إليهم من سيارة ومن وظيفة ومن حساب مصرفي.

لا تنتصر «إسرائيل» عندما يُسمى الاحتلال الاسرائيلي احتلالاً والقتل قتلاً والتهجير تهجيراً والتجويع تجويعاً. ولا تنتصر ما دام هناك من يرفض أن تتحوّل الواقعية السياسية إلى كلمة مُهذّبة لتبرير الخضوع، ويرفض أن تتحوّل الحكمة إلى ذريعة لترك المظلوم وحيداً. فالبيوت التي تُهدم يمكن أن تعاد والأرض التي تحتل يمكن أن تتحرر والمدن التي تُدمّر يمكن أن تنهض لكن ما يصعب ترميمه هو الإنسان عندما تُهدم داخله منظومة القيم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com