الانتخابات الفلسطينية تجديد للشرعية وحماية للمشروع الوطني

“مركز بيروت للأخبار”: كتب عصام الحلبي

الانتخابات الفلسطينية التشريعية وانتخابات المجلس الوطني ليستا ترفاً سياسياً ولا مطلباً خارجياً فرضته الظروف أو جاءت به الدعوات الأوروبية تحت عناوين مختلفة، بل هما بالأساس مطلب فلسطيني ومصلحة وطنية وشعبية وفصائلية طال انتظارها، وحاجة حقيقية لتجديد الحياة السياسية الفلسطينية وتعزيز شرعية مؤسساتنا الوطنية.
فالشرعية الفلسطينية تحتاج دائماً إلى التجديد والتكريس من خلال الشعب ومؤسساته، والانتخابات هي إحدى أهم الوسائل التي تتيح للفلسطينيين اختيار ممثليهم وتجديد مؤسساتهم وفتح الطريق أمام مشاركة أوسع في صناعة القرار الوطني، بما يعزز وحدة التمثيل الفلسطيني ويعيد الثقة بالحياة السياسية.
ومن المهم أن تقوم المشاركة في العملية الانتخابية على أساس واضح، وهو الاعتراف بالشرعية الفلسطينية والانخراط في مؤسساتها والالتزام ببرنامج منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، بما يحفظ وحدة القرار الوطني ويمنع تحويل الانتخابات إلى وسيلة جديدة لتكريس الانقسام.
وهذا لا يعني إلغاء التعددية السياسية أو حق القوى والفصائل والشخصيات الوطنية في المشاركة والتعبير عن رؤاها، بل على العكس فإن الاختلاف في البرامج والاجتهادات السياسية حق طبيعي، لكن هذا الاختلاف يجب أن يبقى داخل الإطار الوطني الجامع وتحت سقف الشرعية الفلسطينية، بحيث تكون الانتخابات مساحة للتنافس الديمقراطي وخدمة القضية الوطنية لا مدخلاً لتعميق الانقسام.
والانتخابات لن تكون مجرد أسماء جديدة في المجالس والمؤسسات، بل يمكن أن تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تلتقي فيها الخبرة مع الشباب، فتأتي بقيادات من جيلين، جيل الخبرة والممارسة الذي أمضى سنوات طويلة في العمل الوطني والسياسي، وجيل الشباب بما لديه من طاقة ونشاط وأفكار جديدة وعنفوان ورغبة في تحمل المسؤولية.
وهذا التكامل بين الأجيال هو ما تحتاجه قضيتنا اليوم، فلا يمكن بناء المستقبل من دون خبرة الماضي، ولا يمكن الاستمرار بالأساليب نفسها من دون إعطاء الشباب دورهم ومساحتهم في الحياة الوطنية، فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الجميع وكل جيل لديه ما يقدمه لفلسطين.
وتأتي أهمية الانتخابات في وقت يواجه فيه المشروع الوطني الفلسطيني مخاطر كبيرة، في ظل السياسات الإسرائيلية التي تستهدف الأرض والشعب والهوية وتحاول تكريس الانقسام والفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف، إلى جانب سياسات الاستيطان والضم والتهجير ومحاولات دفع أبناء شعبنا نحو الهجرة القسرية.
ومن هنا فإن تجديد الشرعية الفلسطينية وتوحيد المؤسسات وتعزيز وحدة التمثيل الوطني تصبح جزءاً من مواجهة هذه المخاطر، لأن قوة القضية الفلسطينية لا تكون فقط في عدالة قضيتها وإنما أيضاً في قوة مؤسساتها ووحدة شعبها ووضوح تمثيلها السياسي.
ولا ينبغي أن يتحول الخلاف حول شكل الانتخابات إلى خلاف حول مبدأ الانتخابات نفسه، فالظروف الفلسطينية الصعبة قد تفرض البحث عن أكثر من صيغة، سواء من خلال انتخابات شعبية مباشرة حيثما تسمح الظروف، أو مجالس انتخابية، أو صيغة توافقية وطنية تضمن المشاركة وتمثيل مختلف القوى والشرائح الفلسطينية.
المهم أن نتحرك إلى الأمام وألا نبقى أسرى للخلافات والتأجيل، وأن يكون الهدف من أي صيغة يتم الاتفاق عليها هو تجديد الشرعية وفتح المجال أمام المشاركة الشعبية وتوحيد المؤسسات وتعزيز حضور الأجيال الجديدة في الحياة الوطنية.
إن إجراء الانتخابات بأي شكل يتم التوافق عليه فلسطينياً هو في النهاية مصلحة لقضيتنا وشعبنا، لأنها تعيد تجديد الشرعية وتمنح المؤسسات الفلسطينية قوة جديدة وتفتح الباب أمام طاقات شابة قادرة على حمل المسؤولية إلى جانب أصحاب الخبرة والتجربة.
وفي مواجهة كل المحاولات الرامية إلى إضعاف المشروع الوطني الفلسطيني وتكريس الانقسام وفصل غزة عن الضفة، تبقى وحدة الشعب والأرض والقضية هي الأساس، ويبقى تجديد الشرعية الفلسطينية خطوة ضرورية لحماية مشروعنا الوطني والحفاظ على حق شعبنا في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
الانتخابات ليست نهاية الطريق وإنما بداية لمرحلة جديدة نعيد فيها ترتيب بيتنا الفلسطيني ونمنح شعبنا فرصة للمشاركة ونفتح أمام الشباب أبواب المسؤولية، ونستفيد في الوقت نفسه من خبرة من سبقوهم في مسيرة النضال الوطني.
فلسطين بحاجة إلى الجميع وإلى شرعية متجددة ومؤسسات قوية وإرادة وطنية تجمع ولا تفرق، والانتخابات مهما اختلفت صيغتها تبقى واحدة من الوسائل المهمة لإعادة بناء الثقة وتجديد الحياة الوطنية وتعزيز صمود شعبنا وتمسكه بأرضه وحقوقه ومشروعه الوطني.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com