تحوّلات اليمن في الميزان الإيراني: رهانٌ على صدمَتي هرمز وباب المندب
تحوّلات اليمن في الميزان الإيراني: رهانٌ على صدمَتي هرمز وباب المندب
صحيفة الأخبار: بقلم محمد خواجوئي
تتناول صحيفة «الأخبار» في مقال للكاتب محمد خواجوئي التحولات المتسارعة في المشهد الإقليمي، من زاوية تأثير المواجهة الأميركية ـ الإيرانية على أمن الممرات البحرية وحسابات دول الخليج. ويركّز المقال على تأجيل اجتماع صلالة، باعتباره مؤشراً إلى استمرار ارتباط المواقف الخليجية بالحسابات الأميركية، بالتوازي مع بروز اليمن وباب المندب كعامل جديد في معادلة الصراع، إلى جانب مضيق هرمز. وفي موازاة التصعيد العسكري والضغوط الاقتصادية، ترصد المقالة الحراك الدبلوماسي الإيراني باتجاه الصين، وما يمكن أن يحمله من مساعٍ لتنسيق المواقف وفتح قنوات سياسية في ظل غياب أفق واضح للتفاوض بين طهران وواشنطن.
فتح مضيق هرمز مرتبط بوقف الحصار الأمريكي
ينطلق محمد خواجوئي من تأجيل اجتماع صلالة ليضعه في سياق أوسع يتعلق بالصراع على ترتيبات الأمن الإقليمي. ووفق قراءة المقال، فإن التطور يعكس استمرار تأثر المواقف الخليجية بالموقف الأميركي، في وقت تحاول فيه واشنطن استخدام الضغط العسكري والاقتصادي لدفع إيران إلى تغيير حساباتها.
ويبرز المقال عامل الوقت باعتباره أحد العناصر المؤثرة في مسار المواجهة، مع انتقال تداعيات الأزمة من مضيق هرمز إلى باب المندب. ويرى الكاتب أن التطورات الميدانية في اليمن، وسيطرة حلفاء إيران على المضيق وفق رواية المقال، تضيف بعداً جديداً للصراع، نظراً إلى الأهمية الاستراتيجية لباب المندب بالنسبة إلى حركة التجارة والطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، يربط المقال بين اضطراب حركة الملاحة وبين الضغوط الاقتصادية العالمية، مشيراً إلى بيانات شركة «كبلر» حول انخفاض عدد السفن المحمّلة بالبضائع العابرة لمضيق هرمز. ويستخدم الكاتب هذه المعطيات للدلالة على أن حركة الملاحة لم تستعد، وفق طرحه، مستوياتها الطبيعية، رغم التصريحات الأميركية التي تحدثت عن عودة الحركة.
كما يربط المقال التطورات الإقليمية بالحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، ولا سيما الانتخابات النصفية المقبلة، معتبراً أن تداعيات الحرب مع إيران قد تتحول إلى عامل ضغط سياسي على إدارة ترامب. وفي المقابل، يشير الكاتب إلى أن طهران تراهن على هذه التداعيات باعتبارها عاملاً يمكن أن يحدّ من قدرة واشنطن على مواصلة التصعيد، من دون اعتبار ذلك ضمانة لتغيير السياسة الأميركية.
أما البعد الدبلوماسي في المقال، فيتمثل في زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين، والتي يضعها خواجوئي ضمن مساعي طهران لتعزيز التنسيق مع الصين في ظل موقعها الاقتصادي والاستراتيجي وعلاقاتها المتوازنة مع إيران والولايات المتحدة. ويعرض الكاتب الصين باعتبارها قادرة على توفير قناة تواصل، مع الإشارة إلى أن بكين تميل إلى التحرك ضمن أطر متعددة الأطراف، ولا سيما «بريكس»، بدلاً من الدخول في وساطة ثنائية مباشرة.
ويختتم المقال عند الموقف الإيراني من أي مفاوضات جديدة مع واشنطن، من خلال تصريحات محسن رضائي التي تربط استئناف الحوار بتنفيذ ما تسميه طهران «تفاهم إسلام آباد». وبذلك، يقدّم المقال صورة لمسار تفاوضي لا يزال مقفلاً، بالتوازي مع تصعيد ميداني ودبلوماسي يجعل الممرات البحرية، من هرمز إلى باب المندب، جزءاً أساسياً من معادلة الضغط المتبادل.
يضع المقال ثلاثة مسارات مترابطة في قلب المشهد: التصعيد الأميركي ـ الإيراني، التحولات المرتبطة بالممرات البحرية في هرمز وباب المندب، والحراك الإيراني باتجاه الصين. ومن خلال هذه المسارات، يقدّم خواجوئي قراءة تعتبر أن الصراع لم يعد محصوراً بالمواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن، بل بات يمتد إلى الأمن الإقليمي والتجارة والطاقة والحسابات الدبلوماسية الدولية.
التحولات المرتبطة بالممرات البحرية في هرمز وباب المندب
يكشف تأجيل اجتماع صلالة بشأن مضيق هرمز استمرار ارتهان المواقف الخليجية بالحسابات الأميركية، فيما تفرض تطورات الميدان معادلات جديدة تعزز موقع إيران، وتوسّع نطاق المواجهة إلى باب المندب.
طهران | أظهر تأجيل اجتماع صلالة بين إيران وسلطنة عُمان ودول الخليج بشأن مضيق هرمز، أن المُتغيّر الحاسم في قرارات تلك الدول، ولا سيما في ما يتعلّق بالترتيبات الأمنية في المنطقة، لا يزال رهناً بالموقف الأميركي. وإذ تسعى واشنطن في الوقت الراهن، عبر تكثيف الحصار البحري وتصعيد الهجمات العسكرية، إلى فرض شروطها على طهران، فهي تريد في الوقت نفسه الحيلولة دون تمكّن الأخيرة من تحقيق مكسب استراتيجي يتمثّل في تغيير المشهد الأمني الإقليمي، وإعادة صياغة قواعد الاشتباك والردع وفق رؤيتها؛ وهذا ما تحاول عواصم الخليج التساوق معه إلى الآن. ومع تأجيل اجتماع صلالة، تستمرّ المواجهة بين الطرفَين في مراوحة مكانها، من دون انفتاح أيّ أفق للحلّ. فعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يواجه اختباراً كبيراً في انتخابات التجديد النصفي المُنتظَرة في تشرين الثاني المقبل، في ظلّ مخاوف متزايدة من تداعيات الحرب مع إيران على حظوظ «الجمهوريين» الانتخابية، فإنه لا يزال يُصِرّ على اتباع أساليبه المُجرّبة سابقاً، آملاً من خلالها في تغيير حسابات طهران.
غير أن النتائج، حتى الآن، جاءت على غير ما تشتهيه الولايات المتحدة؛ إذ فرض عامل الوقت معادلات جديدة تميل لصالح إيران، أحدثُها التقدّم الميداني لحلفاء الأخيرة في اليمن، وبسطهم سيطرتهم على مضيق باب المندب، بوصفه شرياناً حيوياً آخر للتجارة الدولية. وبذلك، لم تعُد الأزمة منحصرة في مضيق هرمز، بل امتدّت لتشمل «باب المندب» أيضاً، وهو ما يفرض ضغوطاً مضاعفة على الاقتصاد العالمي، ويدفع بأسعار النفط إلى مسار تصاعدي حادّ. وعلاوة على أسعار النفط، تُظهِر بيانات الملاحة البحرية أنه خلافاً لمزاعم ترامب، فإن حركة المرور والعبور في مضيق هرمز، لم تعُد إلى طبيعتها بعد، إذ كشفت البيانات الأولية الصادرة عن شركة «كبلر»، أمس، أن إجمالي حركة السفن المُحمّلة بالبضائع في «هرمز» تراجع، أول من أمس، إلى 4 فقط، مقارنة بـ10 سُجّلت الأحد. وتعقد طهران آمالها على أن تؤدي تلك التطوّرات إلى انتكاسة لـ«الجمهوريين» في الاستحقاق الانتخابي المُرتقب؛ ومع أنها لا تَعدّ انتكاسة من هذا النوع سبباً حتمياً في تراجع ترامب التامّ عن مسار التصعيد، فإنها تراها كابحاً له على أيّ حال، وعقبة داخلية وازنة أمام الاندفاعة العدوانية للإدارة الحالية.
ترامب لا يزال يُصِرّ
ترامب لا يزال يُصِرّ على اتباع أساليبه المُجرّبة سابقاً،
على اتباع أساليبه المُجرّبة سابقاً، والمتمثّلة في الخيار العسكري والضغوط الاقتصادية
وفي خضمّ ذلك، من المُقرّر أن يتوجّه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اليوم، إلى بكين للقاء نظيره الصيني، وانغ يي. وتأتي هذه الزيارة في وقت أعلن فيه الرئيس الصيني، شي جين بينغ، خلال قمّة مجموعة «بريكس»، التي عُقدت الأسبوع الماضي في الهند، رغبة بلاده في التعاون مع سائر أعضاء المجموعة لإحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط والخليج، وهو موقف استأثر باهتمام واسع، واعتبره مراقبون مؤشراً على توجّه بكين نحو تفعيل دور أكثر ديناميكية في مسار خفض حدّة النزاعات في المنطقة، وإن عبر إطار تعاوني. أيضاً، تكتسب زيارة عراقجي إلى بكين أهميتها من اقتراب رحلة الرئيس شي المرتقبة إلى الولايات المتحدة، حيث من المؤكد أن الحرب مع إيران ستكون أحد المحاور الرئيسة في مباحثاته مع ترامب.
وفي هذا السياق، تمتلك إيران دافعاً قوياً لإيصال مواقفها بوضوح إلى الصين – التي تمثّل أكبر مستورد لنفطها وشريكها الاستراتيجي -، والسعي لحشد دعمها. وعلى الرغم من أن بكين لم تقدّم أيّ تعهدات أو وعود بالتوسّط بين طهران وواشنطن، غير أن الموقع المتميّز الذي تتمتّع به الصين، والمتمثّل في امتلاكها شراكة استراتيجية مع إيران وقنوات حوار مباشرة مع الولايات المتحدة في آن، يمنحها عملياً دوراً أشبه بـ«جسر تواصل». ومن هنا، تتلخّص طبيعة زيارة عراقجي في تنسيق المواقف وضبط عقارب الساعة الدبلوماسية الإيرانية مع الصين، التي تميل، من جهتها، إلى أداء دور الدافع نحو السلام عبر الأطر المتعدّدة الأطراف، لا الانخراط المنفرد والاضطلاع بدور «ساعي البريد» أو نقل الرسائل. ويتجلّى ذلك في تفضيل بكين إدارة أيّ وساطة تحت مظلّة «بريكس»، أو ضمن إجماع دولي أوسع، بدلاً من أن تتحمّل بمفردها المخاطر والتبعات السياسية المترتّبة على وساطة ثنائية مباشرة.
إلى ذلك، جدّد أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإيراني، محسن رضائي، في أحدث تصريح له، التأكيد أن طهران لن تخوض أيّ مفاوضات جديدة مع واشنطن ما لم تُنفّذ بنود «تفاهم إسلام آباد». وفي إشارة إلى المواقف الأخيرة الصادرة عن ترامب، قال رضائي: «لا تدعوا الإشارات المتناقضة للرئيس الأميركي، بين نبرة لن نتفاوض ونبرة نحن مستعدّون للحوار، تشتّت انتباهكم. فالمعادلات المتعلّقة بالنفط والمضائق تغيّرت، والتخبّط للسيطرة على التداعيات لن يمنع ما هو قادم. وطالما لم تتحقّق شروط إيران، فلن تكون هناك أيّ مفاوضات على الإطلاق».