بقلم: الكاتبة زينب شقير
في جنوب لبنان، لم يعد السؤال يقتصر على موعد الانسحاب الإسرائيلي، بل أصبح السؤال الأهم: أيّ جنوب سيولد بعد الانسحاب؟ ومن سيمتلك القرار فيه: أميركا المتمثّلة بالسلطة اللبنانية؟ المقاومة؟ أم ترتيبات أمنية تفرضها إسرائيل؟
من تفجير مرتفع علي الطاهر، وصولاً إلى زيارة الرئيس جوزيف عون إلى النبطية في أعقابه، وضع تتابع الحدثين سؤالاً في قلب المشهد. فالعملية الإسرائيلية لم تكن مجرد استهداف لبنية عسكرية لحزب الله، كما أن زيارة عون لم تكن مجرد جولة عادية أو منفصلة عن السياق السياسي والأمني للمرحلة. كلا الحدثين حمل، بطريقته، رسالة سياسية حول شكل الجنوب المقبل من وجهتي نظر مختلفتين.
إسرائيل، من جهتها، تريد جنوباً مختلفاً عن الجنوب الذي كان قائماً قبل الحرب: منطقة لا يستطيع حزب الله أن يعيد فيها بناء قدرته العسكرية بأي شكل، ومنطقة لا تمتلك قدرة مستقلة على الدفاع عن نفسها في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، سواء تعلقت بالمياه أو النفط أو غيرهما، بما يضمن لإسرائيل تفوقاً أمنياً وميدانياً دائماً.
أما واشنطن، المتمثّلة عملياً بمشروع السلطة اللبنانية الحالية، فتريد أن يشكّل أي انسحاب إسرائيلي مقدمة لانتشار الجيش اللبناني، لا أن يتحول الانسحاب إلى عودة نفوذ حزب الله في الجنوب من جديد. لكن الجيش اللبناني، وهو غير مجهّز بالكامل للدفاع عن نفسه، يواجه سؤالاً أكبر: كيف يمكن أن يتحول إلى القوة الوحيدة القادرة على حماية الجنوب في ظل استمرار الضغط والاعتداءات الإسرائيلية؟
وهنا يظهر التناقض الأكثر أهمية في هذه المرحلة.
فـ المشروع الأميركي في لبنان لا يتطابق بالضرورة مع المشروع الإسرائيلي. واشنطن تبدو معنية ببناء دولة لبنانية بقرار أميركي، أكثر قدرة على احتكار السلاح وإضعاف الدور العسكري للمقاومة من خلال مسار سياسي تدريجي يحافظ على استقرار المؤسسات ويمنع الانهيار أو الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
بمعنى آخر، الهدف الأميركي ليس فقط إضعاف حزب الله، بل إنتاج بديل لبناني قادر على ملء الفراغ الذي يتركه تراجع الحزب، شرط أن يبقى قرار السلطة اللبنانية بيد الأميركي. وهو مشهد لطالما سعت إليه واشنطن في لبنان منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
في المقابل، تقيس إسرائيل نجاح المرحلة بمعيار أكثر مباشرة: هل يستطيع حزب الله استعادة قدرته العسكرية أم لا؟
وهذا الاختلاف في الأولويات قد يصبح جوهر الأزمة المقبلة بين أميركا وإسرائيل.
فإذا استمرت إسرائيل في التقدم العسكري، وتوسيع نطاق عملياتها، وفرض وقائع أمنية جديدة على الأرض، فقد تحقق مكاسب تكتيكية مباشرة ضد المقاومة، لكنها في الوقت نفسه قد تُضعف السلطة اللبنانية التي تريد واشنطن تثبيتها وتعزيز دورها.
فـ الجيش اللبناني لا يستطيع أن يصبح بديلاً فعلياً إذا بقيت إسرائيل تتقدم داخل الأراضي اللبنانية، وإذا بقي الجنوب تحت ضغط عسكري مستمر.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة.
كلما أضعفت إسرائيل قدرة السلطة اللبنانية على الظهور بصفتها صاحبة السيادة، زادت الحاجة السياسية والاجتماعية إلى خطاب يقول إن الدولة عاجزة، وإن المقاومة وحدها قادرة على حماية لبنان.
وهكذا، بدلاً من أن يتحول تراجع حزب الله العسكري إلى صعود للسلطة اللبنانية، قد يتحول استمرار الاعتداء والاحتلال إلى عامل يعيد تعويم فكرة المقاومة، ليس بالضرورة باعتبارها الخيار العسكري الأفضل لدى الجميع، وإنما باعتبارها الخيار السياسي الذي يملأ فراغاً تعجز الدولة عن ملئه.
وهذا تحديداً ما يجعل استمرار التقدم الإسرائيلي خطراً على مشروع تثبيت السلطة اللبنانية الحالية.
فهذه السلطة تحتاج إلى إنجاز يمكنها تقديمه للبنانيين: انسحاب إسرائيلي يقابله انتشار للجيش واستعادة تدريجية للسيادة. أما إذا بقي هذا الإنجاز مؤجلاً أو مشروطاً بسلسلة متزايدة من المطالب الأمنية الإسرائيلية، فقد تجد السلطة نفسها في موقع بالغ الصعوبة: مطالبة بنزع سلاح حزب الله من جهة، وغير قادرة على إقناع بيئته بأن الدولة تستطيع حمايتها من جهة أخرى.
وهنا يمكن أن تنقلب المعادلة السياسية.
فحزب الله، الذي يواجه ضغطاً داخلياً وخارجياً، لن يكون مضطراً إلى الدفاع عن سلاحه باعتباره مجرد «سلاح مقاومة»، بل يستطيع إعادة تقديمه باعتباره رداً على استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
وكلما طال أمد هذا الواقع، أصبح من الأسهل عليه إعادة إنتاج شرعية المقاومة، حتى لدى قطاعات قد تكون أقل حماساً لاستمرار دوره العسكري.
لذلك، فإن المصلحة الأميركية والإسرائيلية تتقاطع في الهدف العام، لكنها قد تختلف في السرعة والطريقة والحدود.
واشنطن تحتاج إلى دولة لبنانية مستقرة وقادرة على احتواء حزب الله تدريجياً، أما إسرائيل فتريد ضمانات أمنية فورية ومنع الحزب من إعادة بناء قوته، حتى لو تطلب ذلك استمرار الضغط العسكري.
والمشكلة أن تحقيق الهدف الإسرائيلي بالطريقة الأكثر تشدداً قد يضر بالهدف الأميركي الأوسع.
من هنا، تصبح الولايات المتحدة أمام معادلة دقيقة: عليها أن تضغط على لبنان لتثبيت احتكار السلطة للسلاح، وفي الوقت نفسه أن تضغط على إسرائيل لمنعها من تحويل الجنوب إلى منطقة مفتوحة أمام عمليات عسكرية دائمة.
فإذا ضعفت السلطة أكثر مما ينبغي، استفادت المقاومة. وإذا توقفت إسرائيل قبل تحييد قدرة الحزب العسكرية، تخشى تل أبيب أن يستعيد الحزب هذه القدرة.
وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الأنفاق والصواريخ والحدود، بل على شرعية السلطة اللبنانية نفسها.
فانسحاب إسرائيل تدريجياً، وانتشار الجيش، وقدرة السلطة على توفير الأمن والخدمات وإطلاق إعادة الإعمار، قد يحول تراجع حزب الله العسكري إلى تحول سياسي تاريخي، ويجعل احتكار الدولة للسلاح أمراً قابلاً للحياة.
أما إذا استمر التقدم الإسرائيلي والضغط العسكري والاحتلال الجزئي، فيما بقي الجيش عاجزاً عن حماية الجنوب، فقد يحدث العكس تماماً: يتراجع الحزب عسكرياً، لكنه يستعيد شرعيته السياسية تحت عنوان حق الدفاع والمقاومة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
قد لا يكون الخطر على مشروع الدولة اللبنانية في قوة حزب الله وحدها، بل أيضاً في الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع تراجع هذه القوة.
فالانسحاب الإسرائيلي الذي يترك وراءه دولة لبنانية قوية قد يشكل مكسباً استراتيجياً لواشنطن وخسارة سياسية لحزب الله.
أما الانسحاب المؤجل أو المشروط أو المصحوب باستمرار العمليات العسكرية، فقد يضعف السلطة ويمنح الحزب المبرر الذي يحتاجه لإعادة إنتاج نفسه.
لذلك، فإن السؤال الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: متى تنسحب إسرائيل؟
بل: هل ستسمح إسرائيل للسلطة اللبنانية بأن تكون هي البديل عن المقاومة، أم أن استمرار الضغط الإسرائيلي سيمنع الدولة من الوصول إلى هذه اللحظة؟
فالمعركة الحقيقية على جنوب لبنان قد تكون، في النهاية، معركة على من يملأ الفراغ: السلطة اللبنانية التي أتت بها أميركا، أم المقاومة؟
