د.محمد خليل رضا :استذكار الشهداء… هل يكفي؟
والأهم إصدار طابع بريدي يخلّد ذكراهم إلى الأبد
بقلم الدكتور: محمد خليل رضا
بالأمس حصلت مجزرة مروّعة في بلدة كفررمان – قضاء النبطية في جنوب لبنان، وقبلها مجازر مشابهة في بلدة أنصار – قضاء النبطية، ومجازر بالجملة في أكثر من منطقة وجغرافيا لبنانية، تحمل بصمات العدو الإسرائيلي.
وكان معظم الضحايا من المدنيين: رجالًا ونساءً، فتيانًا وفتيات، أطفالًا، أطفالًا حديثي الولادة، رُضّعًا وخُدّجًا.
رحم الله الشهداء وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أهلهم وعائلاتهم وأقاربهم ومحبيهم وأبناء بلداتهم الصبر والسلوان.
إنّ هؤلاء الشهداء ليسوا أرقامًا تُجمع، ولا أعدادًا تُضاف إلى إحصاءات الضحايا، ولا مجرد أخبار عاجلة تُنقل بالصوت والصورة عبر وسائل الإعلام المحلية والعالمية.
إنهم أرواح بريئة وطاهرة ومظلومة، كانت تنبض بالحياة، وتعيش بسلام وأمان واطمئنان في قراهم وبلداتهم ومنازلهم وأحيائهم وأزقّتهم القديمة، بين حجارة البيوت العتيقة وجدرانها الشامخة التي شهدت أجيالًا متعاقبة من أبناء القرى والبلدات، وحفظت تاريخهم وذكرياتهم وتفاصيل حياتهم.
كانوا أيضًا في مدارسهم، ومؤسساتهم التجارية، وبالقرب من دور العبادة، وفي مسابح وبرك قراهم القديمة التي تشهد على التاريخ عبر العصور والأزمنة.
كانوا نبض الشارع المفعم بالحيوية والنشاط والعنفوان؛ كانوا تاريخًا حيًّا نابضًا بالأمل والطموح.
كانوا يحلمون، كما يحلم غيرهم، بأن يعيشوا حياة طبيعية يسودها الأمن والهدوء واستمرارية الحياة بحلوها ومرّها، وبقدر من راحة البال والطمأنينة.
كانوا يعتقدون أنهم في القرن الحادي والعشرين، يعيشون في دولة اسمها لبنان، تبلغ مساحة أراضيها 10452 كيلومترًا مربعًا، وأن الحرب العالمية الثانية انتهت عام 1945.
فكيف يكون مصير أطفال وأبرياء هذا العصر الموت تحت القصف والدمار؟
إنهم ليسوا أرقامًا في معادلات حسابية، وليسوا مجرد أعداد تُضاف إلى عدّاد مجازر متنقلة جغرافيًا وتاريخيًا في أكثر من منطقة لبنانية.
أسأل، كما يسأل غيري من اللبنانيين ومن أبناء العالم:
ما ذنب:
الطفل الرضيع؟
حديث الولادة؟
الأطفال الرضّع؟
الأطفال الخُدّج؟
الأطفال الأكبر سنًا؟
وغيرهم من الأبرياء؟
ما ذنب هؤلاء الذين سقطوا شهداء في مجازر كفررمان وأنصار، وقبلها في مشاهد دموية قاسية ومروّعة في أكثر من جغرافيا لبنانية؟
هل كان هؤلاء الأطفال يحملون مسؤوليات أو أدوارًا عسكرية؟
هل كان الطفل الشهيد:
محمد حسين فرحات رحمه الله، قائدًا ميدانيًا في بلدته؟
وهل كان الطفل الشهيد:
عبدالله حسين فرحات رحمه الله، مسؤولًا عن رابط كفررمان؟
وهل كان الطفل الشهيد:
أحمد حسن فرحات رحمه الله، عامل دورة مدفعية؟
وهل كانت الطفلة الشهيدة:
فاطمة حسن فرحات رحمها الله، مسؤولة عن القطاع الأوسط النسائي والتبليغي؟
وهل كانت الطفلة الشهيدة:
مريم حسين فرحات رحمها الله، تحمل قذيفة (B7)؟
وهل كان الطفل الشهيد:
عباس حسين فرحات رحمه الله، مسؤولًا ميدانيًا عن إطلاق المسيّرات؟
وغيرهم من أترابهم وأترابهن…
بالله عليكم يا أحرار العالم ومثقفيه، ما ذنب هذه الكوكبة من الأطفال الأبرياء، الذين اغتيلت أحلامهم وبراءتهم ظلمًا وعدوانًا؟
ما ذنبهم بأن يُختصر عمرهم، وأن تُمحى أحلامهم، وأن يُسجّلوا في صفحات التاريخ كشهداء بدل أن يكملوا حياتهم الطبيعية؟
رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته.
لسا اعمل مجموعة صور بصورة بلباس واحد وجميل جدا وحركات اجمل وعفوية
أين هو الضمير العالمي؟
أين هو الضمير العالمي؟
أين حقوق الإنسان؟
أين حقوق الأطفال؟
أين أصحاب الضمائر الحيّة؟
هل آن الأوان لكي يستيقظ العالم من سباته العميق؟
أين هي المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وهي كثيرة ومتعددة، والتي وُضعت لحماية الإنسان وحقوقه وكرامته؟
هل أصبحت هذه الاتفاقيات تُطبّق في مكان، ويتم تجاهلها في مكان آخر؟
هل أصبح هناك تطبيق للمعاهدات والمواثيق الدولية بمعايير مختلفة؛ بعضها يُعامل بالـ”سمن”، وبعضها الآخر بالـ”زيت”؟
وماذا عن ضرورة تحييد المستشفيات، ودور العجزة، والعيادات، والطواقم الطبية والتمريضية، والمسعفين، ورجال الإطفاء، والدفاع المدني، والطواقم الإعلامية، وغيرهم، خلال الحروب والكوارث الطبيعية وسواها؟
ليعلم العالم، كل العالم، أن هؤلاء الشهداء المظلومين كانوا، كما غيرهم من الأطفال والفتيان والفتيات، يطمحون عندما يكبرون إلى أن يعيشوا بسلام وكرامة.
كانوا يحلمون بالذهاب إلى المدارس والجامعات والمعاهد العليا، وإكمال تخصصاتهم العلمية والأكاديمية والبحثية في مختلف المجالات.
كان لكل واحد منهم حلم وطموح، وكان يمكن أن يصبح عنصرًا فاعلًا ونشيطًا في مجتمعه ودولته، وأن يحقق رغباته وتطلعاته، ويخدم وطنه والإنسانية.
لكنهم ارتقوا إلى بارئهم مبكرًا.
الشهداء الأطفال… ذكريات لا تموت
هذه الكوكبة من الشهداء الأطفال، رحمهم الله، اشتاقت إليهم منازلهم، وقراهم، وبلداتهم، وأحياؤها، وأزقتها، وحاراتها التراثية.
اشتاقت إليهم حجارة البيوت القديمة التي ترعرعوا بينها، وساحات القرى، وبرك البلدات، والأماكن التي لعبوا فيها وعاشوا فيها أجمل سنوات طفولتهم.
اشتاقت إليهم دكاكين قراهم القديمة والحديثة.
اشتاقت إليهم مدارسهم، ومقاعد الدراسة، وزملاؤهم من التلامذة الصغار الذين كانوا يحملون معهم حقائبهم المدرسية وزوادة الطعام والمياه.
اشتاق إليهم معلموهم، وسائقو الحافلات والسيارات الذين كانوا يوصلونهم من بيوتهم إلى مدارسهم ويعيدونهم إليها.
إن براءة الأطفال اشتاقت إليهم بفطرتها.
أماكنهم بقيت خالية؛ حيث كانوا يلعبون ويركضون ويجلسون على مقاعد الدراسة.
وماذا عن اللعب في أوقات الفرص المدرسية؟
ماذا عن ملعب المدرسة الذي تهدمت جدرانه وأعمدته، وتحطمت بوابته الحديدية بفعل القصف؟
ماذا عن أحلامهم وبراءتهم ودراستهم وطموحاتهم التي سُرقت منهم؟
كانوا يشتاقون إلى الذهاب مع أهلهم في المناسبات، والفرح بحلول الأعياد، وانتظار العيدية من الأب والأم، والعم والعمة، والجد والجدة، والخال والخالة، والإخوة والأقارب.
كانوا يشتاقون إلى مرجوحة العيد، وألعابه، وفرحه، وتسلياته المتنوعة.
كانت ذكرياتهم تنمو معهم، وتتكوّن في تفاصيل حياتهم، وفي خلايا أجسادهم، من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والاستقلابية والمناعية.
كانت طموحاتهم تنضج يومًا بعد يوم، ليصبح كل واحد منهم فردًا فاعلًا في المجتمع، في مهنة أو اختصاص يختاره، يساهم من خلاله في بناء مجتمعه ودولته، ويحقق ذاته وأحلامه.
لكنهم رحلوا مبكرًا.
رحم الله الشهداء الأطفال، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أهلهم وأقاربهم وجيرانهم الصبر والسلوان.
تخليد ذكرى الشهداء… أعمال لا أقوال
نريد أن نستذكر جميع الشهداء، رحمهم الله، دائمًا وباستمرار، من خلال أعمال تحمل معنى الوفاء والتقدير، ومن أبرزها:
إصدار طابع بريدي يخلّد ذكراهم
نتمنى على وزارة الاتصالات والجهات المعنية إصدار طابع بريدي خاص يحمل صور الشهداء وأسماءهم وأماكن استشهادهم، ليبقى شاهدًا في ذاكرة الوطن والتاريخ، وتنتقل ذكراهم عبر الأجيال.
فالطابع البريدي ليس مجرد ورقة، بل وثيقة وطنية وتاريخية تحمل قصة الإنسان والمكان والحدث.
إطلاق أسمائهم على المدارس والمؤسسات
نتمنى على وزارة التربية والتعليم العالي والجهات المختصة إطلاق أسماء الشهداء على مدارس في قراهم وبلداتهم، أيًّا كانت أعمارهم، تقديرًا لهم وتخليدًا لذكراهم.
فالأطفال الذين حُرموا من متابعة دراستهم يمكن أن تبقى أسماؤهم حاضرة في المدارس التي تمثل العلم والمستقبل.
إقامة نصب تذكارية
نتمنى على البلديات إقامة نصب تذكارية تليق بالشهداء، تحمل أسماءهم وصورهم وتاريخ ومكان استشهادهم، في ساحات القرى والبلدات، عربون محبة ووفاء وشهامة ونبل وتقدير ومواساة لأهلهم.
ويمكن توثيق مراسم تشييعهم وذكراهم عبر الصور والأفلام الوثائقية بالصوت والصورة، لتبقى للأجيال القادمة.
أعمال الوفاء والذكرى
نستذكرهم أيضًا من خلال القيام بأعمال صدقة جارية، مثل إنشاء سبيل ماء يستفيد منه الناس، فيكون رمزًا للرحمة والعطاء والذكرى، وله أجر وثواب عند الله.
ويقرأ لهم أبناء القرى والبلدات وأبناء السبيل الفاتحة والدعاء.
نستذكرهم بأن نكون أوفياء ومخلصين لهم، وأن نستحضرهم في:
صلواتنا.
دعائنا.
روحانياتنا.
عباداتنا.
واجباتنا اليومية.
بصدق وأمانة وشهامة.
نستذكرهم بإقامة مجالس عزاء وذكرى لهم في مختلف المناطق، وقراءة الفاتحة على أرواحهم الطاهرة.
ونطالب، بكل احترام وإلحاح إيجابي، وزارة الاتصالات ووزارة التربية والتعليم العالي، ومجلس الوزراء، باتخاذ خطوات عملية لتخليد ذكراهم:
إصدار طابع بريدي يحمل أسماءهم وصورهم.
إطلاق أسمائهم على المدارس.
حفظ سيرتهم في ذاكرة الوطن.
هؤلاء الشهداء لم يفارقوا الحياة بسبب حوادث سير، أو حوادث عمل، أو شجار، أو ظروف عابرة.
بل استشهدوا، رحمهم الله، وهم في بيوتهم الآمنة، وفي قراهم وبلداتهم، وبين أهلهم وأحبائهم.
كانت المسيرات والطائرات والمدافع والقنص والصواريخ والتفجيرات تهدد حياتهم وتلاحقهم.
رسائل الوفاء للشهداء
نستذكرهم بأن يقوم أطفال لبنان من مختلف المناطق والطوائف بزيارة أضرحتهم وقراءة الفاتحة أو ما يعادلها في مختلف الأديان، لما تحمله هذه الخطوة من رسائل إنسانية ووطنية عميقة.
نستذكرهم بالوقوف دقيقة صمت في المدارس.
نستذكرهم بإقامة صلاة الغائب في لبنان وخارجه.
نستذكرهم بوضع وردة أو مصحف صغير على مقاعد الدراسة التي كانوا يجلسون عليها، وعلى ركام منازلهم المدمرة ومعاملهم ومصانعهم.
نستذكرهم بإضاءة الشموع في البيوت والساحات العامة والمدارس والجامعات.
نستذكرهم من خلال دعوة أطفال العالم إلى زيارات رمزية لأضرحتهم وقراهم وبلداتهم المدمرة.
نستذكرهم بفتح سجل كبير يكتب فيه المتضامنون كلماتهم وذكرياتهم ومشاعرهم، كما يحصل في المناسبات والبروتوكولات الرسمية، ليبقى شاهدًا على التضامن الإنساني معهم.
الوفاء للذكرى… مسؤولية إنسانية
نستذكر الشهداء بأن يأخذ الزوار ما تيسّر من بقايا الركام والدمار والحجارة، عربون ذكرى ووفاء، ووضعها في منازلهم خارج لبنان، لتبقى شاهدًا رمزيًا على معاناة الناس وصمودهم وذكرياتهم.
نستذكرهم بأن تحمل مدارس ومعاهد ومؤسسات في بعض الدول أسماء هؤلاء الشهداء، كلٌّ بحسب تعاطفه وتقديره واحترامه للضحايا الأبرياء.
نستذكرهم بأن تفتح وسائل الإعلام منابرها وبرامجها لاستحضار ذكراهم، وتسليط الضوء على قصصهم وأحلامهم وعائلاتهم، وأن يكون التضامن معهم فعلًا حقيقيًا لا مجرد كلمات عابرة.
أعمال لا أقوال
DEEDS NOT WORDS
الأفعال لا الأقوال.
فالوفاء الحقيقي لا يكون بالشعارات فقط، بل بالأعمال التي تحفظ الذاكرة وتصون كرامة الإنسان.
الأخلاق تصنع الرجال
MANNERS MAKE THE MAN
فالأخلاق هي التي تبني الإنسان، وتُظهر قيمة المجتمعات ورقيّها.
صديقك الحق هو الصديق الذي يقف إلى جانبك في الشدة
A FRIEND IN NEED IS A FRIEND INDEED
فالصديق الحقيقي يظهر في أوقات المحن، ويثبت حضوره عندما يحتاجه الآخرون.
خاتمة
إن استذكار الشهداء ليس مجرد مناسبة عابرة، وليس كلمات تُقال ثم تُنسى، بل هو مسؤولية أخلاقية وإنسانية وتاريخية.
إن تخليد أسماء الشهداء، وخاصة الأطفال منهم، عبر الطابع البريدي، والمناهج التعليمية، وأسماء المدارس، والنصب التذكارية، والوثائق التاريخية، هو حفاظ على ذاكرة الأجيال القادمة.
فالإنسان قد يغيب جسده، لكن اسمه وقصته وذكراه تبقى ما دام هناك من يحفظها بإخلاص ووفاء.
رحم الله جميع الشهداء، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أهلهم ومحبيهم الصبر والقوة.
الدكتور محمد خليل رضا
خريج جامعات ومستشفيات فرنسا
(باريس – ليون – ليل)
بيروت – لبنان
