الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي بالسعودية.. الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر
مع توسع سوق اللياقة البدنية في السعودية، يتزايد حضور الذكاء الاصطناعي في التدريب الشخصي، لكن دوره لا يقتصر على إعداد البرامج الرياضية أو أتمتة المهام. وبحسب طارق منير، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Enhance Fitness، تكمن إحدى أهم فوائد التقنية في تحليل سلوك العميل واكتشاف مؤشرات تراجع التزامه قبل الانسحاب، لتنبيه المدرب والتدخل في الوقت المناسب.
و أوضح منير أن الذكاء الاصطناعي يستطيع اختصار الوقت اللازم لإعداد البرامج وتخصيصها، بعدما كانت بعض المهام تستغرق ساعات ويمكن الآن إعداد مسوداتها خلال دقائق، مع استمرار المدرب في تعديلها وفق احتياجات العميل.
ويختصر منير فلسفة الشركة بالقول إن الذكاء الاصطناعي يسرّع إنشاء البرامج وأتمتتها، بينما يبقى المدرب مسؤولاً عن العلاقة مع العميل.
تركز Enhance Fitness في استخدامها الحالي للبيانات على السلوك الفعلي للعميل خلال رحلة التدريب، مثل الحضور، وتكرار الجلسات، والإلغاءات، وتقييمات المدربين، والتغير في وتيرة التدريب.
ولا تجمع الشركة افتراضياً بيانات تركيب الجسم أو التفاصيل الصحية أو معلومات الأجهزة القابلة للارتداء، ما لم يختر العميل مشاركتها.
ويرى منير أن البيانات السلوكية يمكن أن تقدم مؤشرات مهمة على جودة العلاقة بين العميل والمدرب واحتمال استمرار العميل في التدريب.
الانسحاب يبدأ قبل قرار التوقف
بحسب منير، لا يحدث انسحاب العميل عادة بصورة مفاجئة، بل تسبقه إشارات تدريجية يمكن رصدها من خلال البيانات.
وقد يبدأ الأمر بتراجع بسيط في الحضور، ثم زيادة الإلغاءات واتساع الفجوات بين الجلسات، قبل الوصول إلى قرار الإلغاء أو التوقف النهائي.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل هذه الأنماط والتنبيه إلى احتمال تراجع التزام العميل قبل وصوله إلى مرحلة الانسحاب.
الذكاء الاصطناعي ينبه والمدرب يتدخل
لا تتجه «Enhance Fitness» إلى جعل النظام يتواصل مباشرة مع العميل عند اكتشاف مؤشرات التراجع.
ويقول منير إن الشركة تستخدم التنبؤ لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق فقط، بينما يبقى التدخل مع العميل مسؤولية بشرية.
ويستند هذا النهج إلى أن ضعف الالتزام قد يكون مرتبطاً بالعلاقة بين العميل والمدرب، وبالتالي فإن معالجة المشكلة تحتاج إلى شخص قادر على التواصل وفهم الظروف المحيطة بالعميل.
ما الذي يبقى للمدرب؟
ما الذي يبقى للمدرب؟
يمكن للذكاء الاصطناعي التعامل مع جوانب مثل اقتراح البرامج، وإدارة مراحل التقدم، وتحليل البيانات، وتقليل الأعمال الإدارية.
لكن القرارات التي تؤثر مباشرة في تجربة العميل تبقى من مسؤولية المدرب.
ويعتبر منير أن العميل الذي يدفع مقابل التدريب الشخصي لا يشتري برنامجاً رياضياً فقط، لأن البرامج أصبحت متاحة على نطاق واسع، وإنما يبحث عن المساءلة والثقة والسلامة والعلاقة مع مدرب يعرفه ويتابع تقدمه.
لذلك تقوم الفكرة الأساسية لدى الشركة على أن الخوارزمية تقترح، والمدرب يقرر وينفذ.
البوابة البشرية عنصر أمان
تؤكد الشركة أن توصيات الذكاء الاصطناعي لا تصل مباشرة إلى العميل، بل تمر عبر مدرب مؤهل.
ويرى منير أن هذه البوابة البشرية ضرورية حتى مع تطور النماذج، لأن المدرب يستطيع ملاحظة أمور قد لا تظهر في البيانات، مثل التعب، أو انخفاض الدافعية، أو الألم الذي قد يحاول العميل التقليل من أهميته.
كما توفر هذه الآلية حماية إضافية عندما تكون البيانات المتاحة محدودة أو غير دقيقة، إذ لا يتحول اقتراح النظام تلقائياً إلى قرار تدريبي.
الخصوصية والأجهزة القابلة للارتداء
يمكن تقنياً دمج بيانات الساعات الرياضية وأجهزة تتبع النوم ومؤشرات تركيب الجسم، لكن الشركة تتعامل مع هذه البيانات وفق مبدأ المشاركة الاختيارية.
وبحسب منير، لا تُجمع هذه البيانات مباشرة إلا إذا اختار العميل مشاركتها مع مدربه، بينما يجري التعامل مع البيانات المتاحة على مستوى المنصة بصورة مجمعة ومجهولة الهوية.
ويؤكد أن موقف الشركة يقوم على أن بيانات العميل تخص العميل، مشيراً إلى أن الشركة لا تستخدم المعلومات الصحية الشخصية للعملاء ولا تقدمها لأصحاب العمل أو شركات التأمين أو أطراف ثالثة.
توحيد الأساس وليس العلاقة
يرى منير أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد على رفع الحد الأدنى من جودة التدريب عبر مدن ونوادٍ ومشغلين مختلفين، من خلال قوالب مشتركة ومنطق موحد لتصميم البرامج ومعايير جودة ثابتة.
لكن ذلك لا يعني توحيد العلاقة بين المدرب والعميل.
ويختصر الفكرة بالقول: «وحِّد الأساس، ولا توحِّد العلاقة».
ما الذي يمكن إثباته حالياً؟
يرى منير أن الأدلة المتاحة حالياً على أثر الذكاء الاصطناعي في التدريب الشخصي تتركز بصورة أساسية على المؤشرات السلوكية، مثل استمرار العميل في التدريب، وانتظام الحضور، وطول العلاقة مع المدرب.
أما استخدام التقنية لتحليل المؤشرات الصحية وتقديم توصيات مبنية عليها، فيحتاج برأيه إلى وضوح أكبر من الناحيتين القانونية والأخلاقية قبل التوسع فيه.
ويشير إلى أن تطوير نماذج قادرة على قراءة المؤشرات الصحية بصورة أفضل قد يكون جزءاً من مستقبل القطاع، لكن حدود استخدامها لا تزال تحتاج إلى معالجة دقيقة.
تجربة لمدة 12 شهراً في السعودية
يقترح منير اختبار أثر الذكاء الاصطناعي من خلال تجربة عملية في السعودية تمتد لـ12 شهراً، بدلاً من الاكتفاء بقياس قدرة التقنية على إعداد برامج رياضية.
وتقوم التجربة المقترحة على اختيار عملاء جدد في مدينتين أو ثلاث مدن سعودية، مع الحفاظ قدر الإمكان على المدربين والنوادي نفسها، وتقسيم المشاركين إلى مجموعتين.
تتلقى المجموعة الأولى التدريب بالطريقة التقليدية، بينما تحصل الثانية على دعم من الذكاء الاصطناعي في إعداد البرامج ورصد العلامات المبكرة لتراجع الالتزام وتزويد المدرب بالمعلومات اللازمة للتدخل.
وسيتم قياس النتائج من خلال مدة بقاء العميل، وانتظام الحضور، والاستمرار في التدريب بعد انتهاء الباقة، إضافة إلى عدد محدود من المؤشرات الصحية في بداية التجربة ونهايتها.
ويرى منير أن المجموعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تحقق نتائج أفضل، ليس بالضرورة لأن البرامج ستكون أكثر ذكاءً، وإنما لأن المدرب سيكون قادراً على اكتشاف تراجع الالتزام في وقت أبكر والتدخل للحفاظ على العلاقة مع العميل.