قانون العفو العام في لبنان.. من أبرز المستفيدين وماذا يشمل القانون؟

أقر مجلس النواب اللبناني، الأربعاء، اقتراح قانون العفو العام في لبنان معدلاً، والذي يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بصورة استثنائية، بعد إدخال تعديلات عليه، منهياً سجالاً سياسياً وقانونياً استمر أشهراً بشأن الجرائم التي سيشملها القانون والموقوفين الذين يمكن أن يستفيدوا منه.

وجاء إقرار قانون العفو العام في لبنان بعد يوم من فقدان الجلسة التشريعية نصابها، إثر خلاف داخل البرلمان والحكومة بشأن ملاحظات قيادة الجيش، وسط اعتراضات متقابلة من عائلات الموقوفين الإسلاميين وعائلات العسكريين الذين قُتلوا في مواجهات أمنية.

ويعيد القانون إلى الواجهة ملفات عدد كبير من المحكومين والموقوفين والمطلوبين، فيما ارتبط النقاش السياسي حوله بعدد من الشخصيات والملفات التي أثارت جدلاً واسعاً خلال السنوات الماضية.

من السجون المكتظة إلى البرلمان

من السجون المكتظة إلى البرلمان
من السجون المكتظة إلى البرلمان

دفع نواب من الطائفة السنية باتجاه إقرار قانون العفو العام في لبنان، في ظل ارتفاع أعداد الموقوفين، ولا سيما الذين لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، إلى جانب تردي الأوضاع داخل السجون اللبنانية.

وبدأت اللجان النيابية المشتركة مناقشة الاقتراح في أبريل/نيسان، قبل أن تقرّه في مايو/أيار بعد تسع جلسات شارك فيها ممثلون عن وزارتي العدل والداخلية والأجهزة العسكرية والأمنية.

لكن إحالة النص إلى الهيئة العامة فتحت الباب أمام اعتراضات متناقضة. فقد اعتبرت عائلات موقوفين إسلاميين أن الاستثناءات أفرغت العفو من مضمونه، بينما حذرت عائلات عسكريين قُتلوا في مواجهات أمنية من أن يؤدي القانون إلى إطلاق سراح مدانين بقتل جنود.

وفشلت محاولات سابقة لعرض الاقتراح على التصويت، قبل أن يدرجه رئيس مجلس النواب نبيه بري في جلسة تشريعية من يومين، وسط اتصالات سياسية مكثفة.

خلاف على اعتراضات قيادة الجيش

كان البرلمان يستعد للانتقال إلى مناقشة قانون العفو العام، الثلاثاء، بعدما أقر إلغاء عقوبة الإعدام وقانوناً جديداً للإعلام، عندما طلب وزير الدفاع ميشال منسى تلاوة ملاحظات قيادة الجيش على الاقتراح.

واعترض رئيس الحكومة نواف سلام، معتبراً أن الحكومة يمثلها رئيسها، وأن قيادة الجيش كانت قد أرسلت ملاحظاتها خطياً.

وأثار السجال احتجاج نواب من حزب الله والتيار الوطني الحر، وغادر بعضهم القاعة، ما أدى إلى فقدان النصاب وتأجيل المناقشة إلى الأربعاء.

ولم يقتصر الخلاف على آلية عرض موقف الجيش، إذ قدم نواب سنة تعديلات توسع إمكان الإفراج عن الموقوفين القدامى، في حين أثار حزب الله تساؤلات بشأن أثر تخفيض العقوبات على المدانين بتفجيرات الضاحية الجنوبية.

كما طالبت كتل أخرى بضمان عدم شمول المتورطين في قتل العسكريين أو الاعتداء عليهم.

وعاد مجلس النواب إلى الانعقاد الأربعاء، ليقر الاقتراح معدلاً، فيما لم تتضح فوراً الصيغة النهائية لجميع التعديلات التي أدخلت خلال الجلسة، ولا سيما تلك المتعلقة بمدة التوقيف التي تتيح الإفراج عن الموقوفين وشروط تخفيض العقوبات.

ما الذي يشمله قانون العفو العام؟

ما الذي يشمله قانون العفو العام؟
ما الذي يشمله قانون العفو العام؟

يشمل قانون العفو العام في لبنان، وفق النص الذي أقرته اللجان، الجرائم المرتكبة قبل الأول من مارس/آذار 2026، ويؤدي إلى إسقاط الملاحقات والعقوبات في القضايا التي يغطيها، مع إبقاء حق المتضررين في المطالبة بالتعويضات المدنية.

لكن القانون يستثني طيفاً واسعاً من الجرائم، أبرزها القتل العمد، والإرهاب ضد المدنيين والعسكريين، والاعتداءات الخطيرة على الجيش، والتجسس و التعامل مع إسرائيل، والفساد والإثراء غير المشروع والاعتداء على المال العام.

وتستثنى أيضاً جرائم غسل الأموال والجرائم المرتبطة بأموال المودعين والمصارف، والاغتصاب والاتجار بالبشر والعنف الأسري والتعذيب والإخفاء القسري، إضافة إلى سرقة الآثار والجرائم البيئية وتكرار جرائم السرقة والمخدرات.

من يمكن أن يستفيد من قانون العفو العام؟

من يمكن أن يستفيد من قانون العفو العام؟
من يمكن أن يستفيد من قانون العفو العام؟

في المقابل، يمكن أن يستفيد من العفو متعاطو المخدرات وبعض غير المكررين، أي المدانون بجريمة للمرة الأولى، إضافة إلى مزارعي القنب.

كما يمكن أن يشمل القانون مدانين بجرائم أسلحة لا ترتبط بالقتل أو الإرهاب، وبعض اللبنانيين غير المقاتلين الذين غادروا إلى إسرائيل بعد انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، من دون أن يشمل ذلك المتعاملين معها.

ولا يعني إدراج أي فئة ضمن المستفيدين أن الإفراج عنها سيكون تلقائياً، إذ تبقى الاستفادة مرتبطة بطبيعة الجريمة والحكم القضائي وشروط القانون والاستثناءات الواردة فيه.

تخفيض العقوبات بعد إقرار قانون العفو

تخفيض العقوبات بعد إقرار قانون العفو
تخفيض العقوبات بعد إقرار قانون العفو

ويقترح النص تحويل الأشغال الشاقة المؤبدة إلى السجن لمدة 17 سنة، وخفض العقوبات الأخرى بمقدار الثلث.

لكن إلغاء عقوبة الإعدام الذي أقره مجلس النواب يفرض إعادة النظر في بند كان يحولها إلى السجن 28 سنة، تجنباً لاستفادة المحكومين بها من تخفيضين متتاليين.

وتكتسب هذه المادة أهمية إضافية في ضوء التعديلات التي أدخلت على النظام العقابي اللبناني خلال الجلسة التشريعية نفسها.

الموقوفون القدامى في صلب النقاش

الموقوفون القدامى في صلب النقاش
الموقوفون القدامى في صلب النقاش

أما أكثر البنود إثارة للجدل، فيتعلق بالإفراج عن الموقوفين الذين أمضوا فترات طويلة من دون أحكام.

وكانت اللجان قد اقترحت إطلاق سراح من أمضى أكثر من 14 سنة في التوقيف من دون حكم، مع استمرار محاكمته خارج السجن.

لكن تعديلات لاحقة طالبت بخفض المدة إلى 12 سنة، وبإتاحة الإفراج ما دام الحكم غير مبرم.

ويُعد هذا البند من أكثر المواد ارتباطاً بأزمة الاكتظاظ في السجون اللبنانية، خصوصاً أن عدداً من الموقوفين أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان من دون صدور أحكام نهائية بحقهم.

أحمد الأسير.. هل يستفيد من قانون العفو؟

أحمد الأسير.. هل يستفيد من قانون العفو؟
أحمد الأسير.. هل يستفيد من قانون العفو؟

على الرغم من أن اقتراح قانون العفو العام في لبنان لم يأتِ على ذكر أسماء محددة، فإن النقاش السياسي ارتبط بعدد من الشخصيات المعروفة أو الجدلية.

ويأتي في مقدمتهم الشيخ أحمد الأسير، المدان في قضايا مرتبطة باشتباكات عبرا مع الجيش عام 2013.

ولا يبدو أنه سيستفيد من عفو كامل عن الجرائم المتعلقة بقتل العسكريين أو الإرهاب، لكنه قد يستفيد من تخفيض العقوبات أو إدغامها، أو من بند الإفراج عن الموقوفين القدامى، بحسب الصيغة النهائية التي أقرها البرلمان.

ولا يعني ذلك خروجه تلقائياً أو فورياً من السجن، إذ يتوقف الأمر على الجرائم التي تنطبق عليها أحكام القانون وطبيعة الأحكام الصادرة بحقه.

فضل شاكر وملف العفو العام

فضل شاكر وملف العفو العام
فضل شاكر وملف العفو العام

أما الفنان فضل شاكر، المرتبط ملفه أيضاً بأحداث عبرا، فقد أُخلي سبيله بكفالة قبل إقرار القانون، وما زالت محاكماته مستمرة.

لذلك لا يصح اعتباره ممن سيخرجون من السجن بموجب العفو، وإن كان القانون قد يؤثر في بعض الملاحقات أو العقوبات بحسب تصنيفها القانوني ومدى انطباق الشروط عليها.

وبالتالي، فإن الحديث عن استفادة فضل شاكر من قانون العفو العام لا يعني حكماً إسقاط ملفه أو إنهاء محاكماته بصورة فورية.

نوح زعيتر من أبرز الأسماء التي يثار حولها الجدل

نوح زعيتر من أبرز الأسماء التي يثار حولها الجدل
نوح زعيتر من أبرز الأسماء التي يثار حولها الجدل

ومن أبرز الأسماء التي يثار الجدل بشأن استفادتها من العفو نوح زعيتر، وهو لبناني ارتبط اسمه لسنوات بقضايا الاتجار بالمخدرات والأسلحة في منطقة البقاع شرقي البلاد.

وكان من أبرز المطلوبين للقضاء قبل أن يوقفه الجيش اللبناني في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.

كما فرضت عليه بريطانيا والولايات المتحدة عقوبات عام 2023، على خلفية اتهامات بدوره في تهريب المخدرات، بينها الكبتاغون.

وتبقى استفادته من قانون العفو العام في لبنان مرتبطة بطبيعة الجرائم والأحكام ومدى انطباق الاستثناءات المنصوص عليها في القانون.

ماذا عن تفجيرات الضاحية الجنوبية وحبيب الشرتوني؟

ماذا عن تفجيرات الضاحية الجنوبية وحبيب الشرتوني؟
ماذا عن تفجيرات الضاحية الجنوبية وحبيب الشرتوني؟

تُستبعد جرائم المجلس العدلي من العفو الكامل، ما يحد من استفادة مدانين في تفجيرات الضاحية الجنوبية، وكذلك حبيب الشرتوني المدان باغتيال رئيس الجمهورية بشير الجميل عام 1982.

لكن تخفيض العقوبات وبنود التوقيف الطويل قد يعيدان فتح الجدل حول بعض هذه الملفات، وفق طبيعة كل ملف ومدى انطباق المواد الجديدة عليه.

ويأتي ذلك في ظل حساسية خاصة تحيط بالملفات المحالة إلى المجلس العدلي، وارتباط بعضها بقضايا أمنية وسياسية بالغة الخطورة.

نحو 3300 مستفيد من قانون العفو العام

نحو 3300 مستفيد من قانون العفو العام
نحو 3300 مستفيد من قانون العفو العام

وكانت تقديرات نيابية سبقت إقرار القانون قد أشارت إلى أن عدد المستفيدين منه قد يصل إلى نحو 3300 شخص، بينهم محكومون بجرائم غير خطيرة، وموقوفون منذ سنوات بلا أحكام، وأشخاص أنهوا عقوباتهم لكنهم ظلوا محتجزين بسبب غرامات غير مدفوعة.

ويبقى العدد النهائي للمستفيدين مرتبطاً بتطبيق القانون وتدقيق الملفات وتحديد مدى انطباق شروط العفو أو تخفيض العقوبة على كل حالة.

تاريخ طويل لقوانين العفو في لبنان

تاريخ طويل لقوانين العفو في لبنان
تاريخ طويل لقوانين العفو في لبنان

أقر لبنان عشرات قوانين العفو منذ عشرينيات القرن الماضي، لكن معظمها كان محدوداً بجرائم أو فئات محددة.

وجاء أبرزها عام 1991 بعد انتهاء الحرب الأهلية، إذ شمل الجرائم المرتكبة قبل مارس/آذار من ذلك العام، وأغلق آلاف الملفات المرتبطة بالحرب، واستفاد منه قادة الميليشيات ومقاتلوها.

كما صدر عفو خاص ذو مفاعيل عامة عن قائد الجيش السابق ميشال عون واثنين من معاونيه.

وفي عام 1997، أقر عفو عن جرائم مخدرات سابقة، استفاد منه آلاف المتهمين.

ثم شهد عام 2005 قانونين بارزين؛ أتاح الأول الإفراج عن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع بعد نحو 11 عاماً في السجن، وشمل الثاني موقوفين في قضيتي الضنية ومجدل عنجر.

قانون العفو العام بين العدالة والتسويات

قانون العفو العام بين العدالة والتسويات
قانون العفو العام بين العدالة والتسويات

يُظهر هذا التاريخ أن قانون العفو العام في لبنان نادراً ما كان إجراءً قانونياً منفصلاً عن السياسة.

فهو يأتي غالباً في إطار تسويات كبرى، ويعيد في كل مرة طرح السؤال نفسه: أين تنتهي معالجة آثار الأزمات، وأين يبدأ الإفلات من العقاب؟

ومع إقرار القانون الحالي، يعود هذا النقاش إلى الواجهة، خصوصاً مع اتساع الفئات التي يمكن أن تستفيد منه مقابل قائمة طويلة من الجرائم التي أبقاها المشرّع خارج نطاق العفو.

ما بعد إقرار قانون العفو العام

ما بعد إقرار قانون العفو العام
ما بعد إقرار قانون العفو العام

بعد إقرار قانون العفو العام في لبنان معدلاً، تنتقل الأنظار إلى مرحلة التطبيق وتحديد المستفيدين الفعليين منه.

وتتمثل المرحلة المقبلة في دراسة الملفات القضائية لكل موقوف ومحكوم، وتحديد ما إذا كانت الجريمة مشمولة بالعفو أو بتخفيض العقوبة أو مستثناة من القانون.

وتبرز هنا أهمية البنود المتعلقة بالموقوفين القدامى، والتي قد تفتح الباب أمام الإفراج عن عدد من الأشخاص الذين أمضوا سنوات طويلة من دون صدور أحكام نهائية بحقهم، وفق الشروط التي ستطبق على كل حالة.

أقر مجلس النواب قانون العفو العام في لبنان معدلاً بعد أشهر من السجال السياسي والقانوني، ليضع حداً لمرحلة طويلة من النقاش حول الجرائم التي يمكن أن يشملها العفو والفئات المستفيدة منه.

ويشمل القانون، وفق النص المتداول، فئات من متعاطي المخدرات وبعض غير المكررين ومزارعي القنب وبعض المدانين بجرائم الأسلحة غير المرتبطة بالقتل أو الإرهاب، إضافة إلى فئات محددة من اللبنانيين غير المقاتلين الذين غادروا إلى إسرائيل بعد انسحابها من جنوب لبنان عام 2000.

كما يفتح القانون الباب أمام معالجة أوضاع بعض الموقوفين القدامى، مع طرح خفض مدة التوقيف المطلوبة للإفراج، في حين يشمل تخفيض العقوبات تحويل الأشغال الشاقة المؤبدة إلى السجن لمدة 17 سنة وخفض العقوبات الأخرى بمقدار الثلث وفق الشروط.

أما الشخصيات التي ارتبط اسمها بالنقاش، وفي مقدمتها أحمد الأسير وفضل شاكر ونوح زعيتر، فلا يعني ذكرها أنها ستستفيد تلقائياً من القانون، إذ إن كل ملف يخضع لطبيعة الجريمة والحكم القضائي والاستثناءات الواردة في النص.

وفي المقابل، تبقى جرائم القتل العمد والإرهاب والاعتداءات الخطيرة على الجيش والتجسس والتعامل مع إسرائيل والفساد والجرائم الجنسية وغيرها من الجرائم الخطيرة خارج نطاق العفو وفق الاستثناءات المحددة.

ويفتح القانون بذلك صفحة جديدة في ملف العدالة والسجون في لبنان، فيما ستبقى المرحلة الأهم هي كيفية تطبيقه وتحديد المستفيدين منه على أرض الواقع، بما يوازن بين معالجة أزمة الموقوفين وحماية حقوق الضحايا ومنع الإفلات من العقاب.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com