سقوط أسطورة «الضغوط القصوى»: كيف فرضت إيران معادلة هرمز على إدارة ترامب؟
جريدة البناء: حسن حردان
في تحوّل دراماتيكي يعكس حدود القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة، شهد المشهد الدولي تطورات لافتة تمثلت في اتجاه الإدارة الأميركية نحو إبرام تسوية إطارية تتعلق بمضيق هرمز، مترافقة مع قرار لوزارة الخزانة الأميركية يقضي برفع العقوبات عن كيانات وشخصيات مركزية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. هذا التطور المفاجئ في توقيته ومضمونه لم يكن مجرد خطوة تكتيكية لاحتواء أزمة طارئة، بل اعتبره المراقبون اعترافاً ضمنياً بسقوط استراتيجية “الضغوط القصوى” بنسختها العسكرية والسياسية، وتكريساً لواقع جيوسياسي جديد يعزز بوضوح الموقف التفاوضي لطهران.
أولاً: دلالات التراجع الأميركي
والاعتراف بالسيادة الإيرانية في هرمز
لم يكن التراجع الأميركي في مضيق هرمز وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مباشرة لانسداد الأفق العسكري أمام واشنطن وحلفائها. فقد أشارت تقارير مركز الأزمات الدولي، وتقديرات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أنّ السياسات الإيرانية القائمة على تعطيل حركة الملاحة وشلّ تجارة الطاقة العالمية عبر المضيق أوجدت تكلفة اقتصادية باهظة لا تستطيع الإدارة الأميركية تحمّل تبعاتها، لا سيما في ظلّ تضخم الأسواق وضغوط الشارع الأميركي.
إنّ الخطوة التي أقدَمت عليها واشنطن ـ والمتمثلة في التراجع عن حافة المواجهة ورفع العقوبات عن مفاصل أساسية في الحرس الثوري ـ تمثل، بحسب تحليل لصحيفة “نيويورك تايمز”، “تراجعاً تكتيكياً قسرياً” فرضه العجز الميداني عن تأمين الممرات المائية بالقوة المنفردة وحدها. وأوضحت دراسات نشرها المجلس الأطلسي حول استراتيجيات الردع البحري، أنّ استخدام إيران لأوراق ضغط استراتيجية في جغرافيتها السياسية والعسكرية أسقط رهانات البيت الأبيض على إمكانية إخضاع طهران عبر العقوبات المطلقة والتهديد بالتدخل العسكري المباشر.
ثانياً: سقوط أوهام الحسم
وانكسار استراتيجية الضغوط القصوى
لقد كشفت الأحداث الأخيرة عن عجز استراتيجية “الضغوط القصوى” ـ التي أعادت إدارة دونالد ترامب إحياءها ـ عن تحقيق أهدافها المعلنة في تفكيك البنية السياسية والاقتصادية الإيرانية أو دفع القيادة في طهران للاستسلام بلا ثمن.
وفي هذا السياق، تؤكد تقارير مجموعة الأزمات الدولية أنّ الاعتماد المفرط على العقوبات الاقتصادية القصوى دون وجود أفق سياسي أو عسكري قابل للاستمرار يفضي حتماً إلى نتائج عكسية؛ إذ تدفع الدولة المستهدفة إلى تفعيل أوراق قوة قصوى (مثل التحكم بمضيق هرمز) تضرّ بالاقتصاد العالمي أضعاف ما تضرّر منه الاقتصاد الإيراني المحصّن نسبياً ضدّ الصدمات. وقد تجسّد ذلك بوضوح في تقارير صحيفة “واشنطن بوست”، التي أشارت إلى أنّ الصقور في واشنطن باتوا يقرّون بأنّ القوة العسكرية المنفردة اصطدمت بصلابة استراتيجية وعقائدية إيرانية، مما جعل استمرار المكابرة خطراً داهماً على الاستقرار السياسي للرئيس الأميركي نفسه عشية الاستحقاقات الانتخابية وتراجع شعبيته، وضغوط أسواق الطاقة.
ثالثاً: التداعيات والانعكاسات
على مسار المفاوضات الإقليمية والدولية
إنّ هذا التحوّل الميداني والسياسي يترك تداعيات عميقة على هيكل المفاوضات الجارية وملفاتها المختلفة:
تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني: إنّ نجاح طهران في انتزاع اعتراف ضمني بمرجعيتها الميدانية في المضيق وكسر طوق العقوبات المفروضة على الحرس الثوري يمنح الوفد التفاوضي الإيراني دفعة معنوية واستراتيجية قوية. فبدلاً من التفاوض من موقع المدافع تحت وطأة الإملاءات، باتت طهران تدير المفاوضات بسقوف عالية متكئة على إنجاز ميداني أثبت جدواه.
تعقيد الملفات الأخرى (النووي والصواريخ): تؤكد تقارير مراكز الأبحاث الاستراتيجية أنّ هذا التراجع سيجعل طهران أكثر تشدّداً في الملفات العالقة الأخرى، مثل البرنامج النووي وتطوير القدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي؛ حيث سترفض أيّ صيغة تنتقص من سيادتها، أو مطالبتها بتقديم تنازلات مجانية ما لم تقابلها واشنطن برفع شامل لكافة العقوبات التي فرضت على ايران منذ عقود.
تآكل المظلة الأمنية الأميركية وتهديد ثقة الحلفاء: أثار هذا الانكفاء الأميركي قلقاً بالغاً في عواصم المنطقة وحلفاء واشنطن الإقليميين، لا سيما كيان الاحتلال الإسرائيلي. لا شكّ في انّ هذه العواصم أدركت الآن أنّ الاستراتيجية الأميركية قابلة للتراجع والانكسار فور تعرّض المصالح الاقتصادية الغربية للاهتزاز الميداني، وهو ما يعزز الاتجاه نحو تسريع مسارات الدبلوماسية الإقليمية المستقلة والتفاهمات المباشرة مع طهران بعيداً عن المظلة الأميركية.
خلاصة القول: إنّ ما جرى يعكس درساً بليغاً في جغرافيا السياسة الدولية؛ فسياسة “الضغوط القصوى” اصطدمت بصخرة الواقع الميداني والقدرة الإيرانية على فرض قواعد اشتباك رادعة. وإنّ رفع العقوبات عن كيانات الحرس الثوري والتراجع عن حافة المواجهة في هرمز يمثلان شهادة وفاة عملية لتلك الاستراتيجية الأميركية، وإيذاناً بمرحلة جديدة باتت فيها طهران تمسك بزمام المبادرة وتفرض شروطها في أيّ تسوية مقبلة
