لبنان إلى العتمة الشاملة آتية لا محال…
لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مجرد مشكلة خدماتية، بل تحولت إلى أحد أبرز التحديات التي تهدد الاقتصاد والحياة اليومية للمواطنين. ومع تراجع ساعات التغذية في مختلف المناطق، تتزايد المخاوف من عودة سيناريو “العتمة الشاملة”، في ظل استمرار نقص الوقود، وتأخر تنفيذ الإصلاحات، وارتفاع الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف. وتشير تقارير حديثة إلى أن مؤسسة كهرباء لبنان لا تزال تعمل ضمن هامش ضيق، فيما يبقى أي خلل في إمدادات الوقود أو في الشبكة كفيلاً بإعادة البلاد إلى الانقطاع الكامل.

ساعات تغذية تتراجع… والمولدات تملأ الفراغ
تشهد غالبية المناطق اللبنانية تراجعًا في ساعات التغذية الرسمية، ما دفع المواطنين إلى الاعتماد بصورة شبه كاملة على المولدات الخاصة، التي أصبحت المصدر الأساسي للكهرباء، لكنها تفرض كلفة مرتفعة على الأسر والمؤسسات، في وقت يعاني فيه اللبنانيون من أزمة اقتصادية غير مسبوقة. كما ساهم الانتشار الواسع لأنظمة الطاقة الشمسية في التخفيف جزئيًا من الأزمة، إلا أنه لم يشكل بديلًا شاملًا للشبكة الرسمية.
أزمة تتجاوز نقص الفيول
ورغم أن نقص الفيول يُعد السبب المباشر لتراجع الإنتاج، فإن جذور الأزمة أعمق بكثير. فلبنان يعاني منذ سنوات من غياب الاستثمار في معامل إنتاج جديدة، وتقادم البنية التحتية، وارتفاع الهدر الفني وغير الفني، إضافة إلى ضعف الجباية والتأخر في تنفيذ الإصلاحات التي طالبت بها المؤسسات الدولية.
وتؤكد دراسات وتقارير دولية أن قطاع الكهرباء استنزف مليارات الدولارات على مدى عقود، من دون أن ينجح في تأمين تغذية مستقرة للمواطنين، ما جعل مؤسسة كهرباء لبنان واحدة من أكثر المؤسسات العامة تعرضًا للعجز المالي.
شبح “البلاك آوت” لا يزال قائمًا
المخاوف الحالية تستند إلى تجارب سابقة، أبرزها الانقطاع الشامل للكهرباء في آب/أغسطس 2024 بعد نفاد مخزون الفيول، ما أدى إلى توقف المعامل وتأثر المرافق الحيوية، بما فيها المطار ومحطات المياه والصرف الصحي، قبل أن تُستأنف التغذية تدريجيًا بعد تأمين شحنات وقود جديدة. ويرى مراقبون أن تكرار هذا السيناريو يبقى احتمالًا قائمًا إذا تعطلت إمدادات الوقود أو تأخر التمويل اللازم لشرائه.
التداعيات الاقتصادية
لا تقتصر أزمة الكهرباء على المنازل، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية. فالمصانع والمؤسسات التجارية والمستشفيات تعتمد بشكل كبير على المولدات الخاصة، ما يرفع كلفة الإنتاج والخدمات ويؤثر في القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني، فيما تتحمل العائلات فواتير مزدوجة بين الاشتراك بالمولدات ورسوم الكهرباء الرسمية.
هل تكفي الحلول المؤقتة؟
يرى خبراء الطاقة أن شراء شحنات الفيول يؤمن استمرارية مؤقتة، لكنه لا يشكل حلاً دائمًا. ويؤكدون أن معالجة الأزمة تتطلب تنفيذ إصلاحات شاملة، تشمل:
إنشاء معامل إنتاج حديثة.
تحديث شبكات النقل والتوزيع.
خفض الهدر والسرقات.
تحسين الجباية.
التوسع المنظم في مشاريع الطاقة المتجددة.
تعزيز الشفافية وإدارة قطاع الكهرباء وفق أسس مستدامة.
هل لبنان ذاهب إلى العتمة؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية تؤكد أن لبنان يتجه حتمًا إلى انقطاع شامل للكهرباء، إلا أن القطاع يبقى شديد الهشاشة، ويعتمد على استمرارية تأمين الوقود وعلى قدرة الدولة على إدارة الأزمة. وفي ظل غياب الإصلاحات البنيوية، يحذر خبراء من أن أي تأخير في التمويل أو أي خلل تقني قد يعيد البلاد إلى دائرة العتمة، لتبقى أزمة الكهرباء واحدة من أبرز التحديات التي تواجه لبنان في المرحلة المقبلة.
