زادت تصريحات ترامب، التي أشاد فيها بالشرع وأعلن اعتقاده بإمكان رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، من أهمية اللقاء، خصوصاً مع حديثه عن إمكانية أن تساعد دمشق في التعامل مع ملف “حزب الله” في لبنان، وهي تصريحات فتحت الباب أمام قراءة أوسع لمسار الانفتاح الأمريكي على سورية ومستقبل موقعها الإقليمي.
لقاء أنقرة… أكثر من مصافحة سياسية
لقاء أنقرة… أكثر من مصافحة سياسية
أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع خلال لقائهما في أنقرة، مؤكداً أنه يعتقد أن الولايات المتحدة ستتجه إلى رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
وقال ترامب إن سورية “يمكن أن تساعد في التعامل مع جماعة “حزب الله” في لبنان“، مضيفاً: “سنرى ما يحدث”، في أول تصريح من هذا المستوى يربط بصورة مباشرة بين الانفتاح الأمريكي على دمشق والملف اللبناني.
وجاء اللقاء بعد أشهر من بدء مسار تواصل مباشر بين واشنطن ودمشق، بدأ بلقاء الرياض في مايو 2025، ثم استكمل عبر اتصالات سياسية وإجراءات أمريكية متدرجة لتخفيف العقوبات الاقتصادية، وصولاً إلى اجتماع أنقرة الذي اعتبره كثيرون محطة مفصلية في مسار العلاقات الثنائية.
لماذا جاء اللقاء في أنقرة؟
لماذا جاء اللقاء في أنقرة؟
اكتسبت العاصمة التركية أهمية خاصة مع استضافتها قمة الناتو، إذ تحولت إلى منصة جمعت واشنطن ودمشق في توقيت إقليمي بالغ الحساسية.
ويأتي اللقاء في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تموضع سياسي ودبلوماسي، مع تحركات متسارعة لإعادة ترتيب أولويات الأمن الإقليمي، بالتوازي مع المفاوضات المتعلقة بإيران، والحرب في غزة، والملف اللبناني، ومستقبل النفوذ الدولي في الشرق الأوسط.
وتشير تقارير إعلامية غربية إلى أن تركيا لعبت خلال الأشهر الماضية دوراً مهماً في توفير قنوات التواصل بين عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، ما جعل قمة الناتو مناسبة مناسبة لإطلاق رسائل سياسية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية.
رفع التصنيف… بوابة الانفتاح الاقتصادي
رفع التصنيف… بوابة الانفتاح الاقتصادي
يمثل احتمال رفع اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب أحد أبرز نتائج اللقاء.
وكانت الإدارة الأمريكية قد أكدت سابقاً أنها تجري مراجعة قانونية لهذا التصنيف، فيما قال ترامب خلال لقائه بالشرع إنه يعتقد أن هذه الخطوة ستتحقق.
ويرى خبراء اقتصاديون أن إزالة هذا التصنيف، إذا اكتملت إجراءاتها القانونية، ستفتح الباب أمام استثمارات أجنبية جديدة، وتوسع نشاط الشركات الدولية داخل سورية، كما ستخفف كثيراً من القيود التي فرضها التصنيف على التجارة والتحويلات المالية.
ويأتي ذلك بعد أن أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية في مايو 2025 ترخيصاً عاماً سمح بإجراء معاملات اقتصادية جديدة، ثم وقع ترامب في يونيو 2025 أمراً تنفيذياً أنهى برنامج العقوبات الأمريكية الشامل على سورية.
الدور السوري في الإقليم… هل يتجاوز الداخل السوري؟
الدور السوري في الإقليم
أعاد تصريح ترامب بشأن إمكانية مساهمة سورية في التعامل مع ملف “حزب الله” في لبنان تسليط الضوء على طبيعة الدور السوري في الإقليمخلال المرحلة المقبلة.
ورغم أن الرئيس الأمريكي لم يوضح طبيعة هذا الدور، فإن تصريحاته جاءت بعد سلسلة مواقف للرئيس السوري أحمد الشرع أكد فيها رفض أي تدخل عسكري سوري داخل لبنان، مع إشارته في الوقت نفسه إلى أن بعض التصريحات السابقة المتعلقة بهذا الملف فُهمت بصورة مختلفة.
وفي أكثر من مناسبة، تحدث الشرع عن استعداده للحوار مع مختلف القوى اللبنانية، وهو ما يعكس، بحسب قراءات سياسية متداولة، توجهاً نحو مقاربة تقوم على الانخراط السياسي والدبلوماسي بدلاً من أي حضور عسكري مباشر.
لبنان بين الفرصة والتحدي
دور سوري مستقبلي في لبنان
يرى عدد من المحللين أن أي انفتاح أمريكي على دمشق ستكون له انعكاسات مباشرة على الملف اللبناني.
وبحسب قراءات سياسية منشورة، فإن أي دور سوري مستقبلي في لبنان لن يكون قابلاً للحياة ما لم يستند إلى تفاهمات داخلية وإقليمية واسعة، نظراً إلى تعقيدات المشهد اللبناني وتشابك مصالح القوى المحلية والإقليمية.
وفي هذا الإطار، قد يشكل لبنان أحد أول الاختبارات العملية للعلاقة الجديدة بين واشنطن ودمشق، ليس من زاوية العودة إلى الأدوار التقليدية، وإنما من خلال المشاركة في مقاربات سياسية وأمنية أوسع تتعلق باستقرار المنطقة.
إسرائيل تتابع التطورات عن كثب
إسرائيل تتابع التطورات عن كثب
تزامناً مع تصريحات ترامب، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن المؤسسة الأمنية في تل أبيب تتابع باهتمام أي حديث عن دور سوري محتمل في الملف اللبناني.
وذكرت تقارير إعلامية عبرية أن اجتماعات أمنية ناقشت السيناريوهات المحتملة، في ظل رفض إسرائيل لأي انتشار عسكري سوري داخل لبنان، مع متابعة التطورات السياسية المرتبطة بالعلاقة بين واشنطن ودمشق.
وتعكس هذه المتابعة أهمية اللقاء بالنسبة لمختلف الأطراف الإقليمية، في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة.
جدل داخل تركيا حول المرحلة المقبلة
وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو انتقد تصريحات ترامب بشأن إسناد دور إلى الشرع في لبنان
بالتوازي مع اللقاء، برزت مواقف داخل تركيا تناولت مستقبل العلاقة السورية مع القوى الدولية.
وكان وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داود أوغلو قد انتقد تصريحات ترامب بشأن إسناد دور إلى الشرع في لبنان، داعياً إلى أن تبني سوريا الجديدة سياساتها انطلاقاً من مصالحها الوطنية، وإلى تعزيز التعاون الإقليمي بين دول المنطقة.
وتبرز هذه المواقف أن النقاش لا يقتصر على واشنطن ودمشق، بل يمتد أيضاً إلى الداخل التركي، في ظل الدور الذي تؤديه أنقرة في ملفات المنطقة.
هل تبدأ مرحلة جديدة؟
هل تبدأ مرحلة جديدة؟
لا يمكن فصل لقاء أنقرة عن سلسلة التطورات التي شهدتها الأشهر الماضية، من تخفيف العقوبات الأمريكية، إلى الاتصالات السياسية المباشرة، وصولاً إلى الإشادة العلنية التي وجهها ترامب للرئيس السوري.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن الدور السوري في الإقليم بات مطروحاً ضمن نقاشات أوسع تتعلق بإعادة ترتيب التوازنات في الشرق الأوسط، إلا أن شكل هذا الدور وحدوده سيبقيان مرتبطين بمسار العلاقات الأمريكية السورية، وبالتفاعلات الإقليمية، وبمواقف الدول المعنية بالملفات اللبنانية والسورية.
يمثل لقاء ترامب والشرع في أنقرة محطة سياسية لافتة في مسار الانفتاح الأمريكي على دمشق، بعدما انتقل الحديث من مراجعة العقوبات إلى بحث موقع سوريا في معادلات المنطقة. وبين احتمال رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والحديث عن دور سوري في لبنان، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على إعادة تموضع سياسي قد ينعكس على ملفات إقليمية متعددة، مع بقاء طبيعة الدور السوري في الإقليم رهناً بالتطورات السياسية والاتفاقات التي ستتبلور خلال الفترة المقبلة.