هل هو خوف أم رعب؟ سؤال بات يفرض نفسه بقوة على المشهد الدولي مع تسارع الأحداث في الشرق الأوسط، وتداخل الملفات العسكرية والسياسية من إيران إلى سورية، مروراً بأوكرانيا، وصولاً إلى قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). فما يجري اليوم لم يعد مجرد إدارة لأزمات متفرقة، بل إعادة رسم لموازين القوى الإقليمية والدولية، في مشهد يذكّر، من حيث حجم التحولات، بما شهدته الساحة الدولية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، عندما أعيد تشكيل النظام الدولي وفق موازين القوة الجديدة.
لقاء ترامب وأردوغان ورسائل تتجاوز العلاقات الثنائية
لقاء ترامب وأردوغان ورسائل تتجاوز العلاقات الثنائية
في هذا السياق، اكتسب لقاء ترامب وأردوغان الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان على هامش قمة الناتو أهمية استثنائية، إذ لم يقتصر على المجاملات الدبلوماسية، بل حمل رسائل سياسية واضحة تتجاوز العلاقات الثنائية بين واشنطن وأنقرة لتطال مستقبل الشرق الأوسط بأكمله.
الملف الإيراني في صدارة المباحثات الأمريكية التركية
الملف الإيراني في صدارة المباحثات الأمريكية التركية
منذ اللحظات الأولى، حرص ترامب على التأكيد أن العلاقة مع أردوغان “ممتازة”، وأنها تصب في مصلحة البلدين، معلناً أن الملفات المطروحة تشمل التجارة، و التعاون العسكري، والأمن الإقليمي، إلى جانب الملف الإيراني الذي احتل مساحة واسعة من تصريحاته. وكرر أكثر من مرة أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً، معتبراً أن الولايات المتحدة نجحت في تدمير قدراتها العسكرية، في رسالة أراد من خلالها تثبيت معادلات الردع الجديدة التي تقول واشنطن إنها فرضتها في المنطقة.
سورية وأحمد الشرع… تفاهمات حول المرحلة المقبلة
سورية وأحمد الشرع… تفاهمات حول المرحلة المقبلة
لكن الملف السوري كان الأكثر إثارة للاهتمام. فقد كشف ترامب أن هناك توافقاً مع أردوغان على دعم تولي الرئيس السوري أحمد الشرع رئاسة الجمهورية السورية، مؤكداً أن هذا التفاهم جاء نتيجة مشاورات مباشرة بينهما. ولم يكتف بذلك، بل وصف الشرع بأنه “رجل طيب”، استطاع خلال فترة قصيرة تحقيق الكثير، مضيفاً أن العلاقة الجيدة التي تربطه به جاءت أيضاً بفضل الرئيس أردوغان، في إشارة واضحة إلى الدور التركي المتنامي في رسم ملامح المرحلة السورية المقبلة.
أردوغان يدعو إلى الحوار لتجنب مواجهة إقليمية
أردوغان يدعو إلى الحوار لتجنب مواجهة إقليمية
وفي المقابل، بدا أردوغان حريصاً على التأكيد أن الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحوار، ولا سيما في ما يتعلق بالملف الإيراني، مشدداً على ضرورة إيجاد أرضية مشتركة بين طهران وواشنطن تحول دون انفجار مواجهة أوسع قد تمتد آثارها إلى الإقليم بأكمله.
ملف مقاتلات F-35 يعود إلى واجهة العلاقات التركية الأمريكية
ملف مقاتلات F-35 يعود إلى واجهة العلاقات التركية الأمريكية
أما على مستوى العلاقات الثنائية، فقد عاد ملف مقاتلات F-35 إلى الواجهة. ترامب اكتفى بالقول إن هذا الملف سيبحث مع الرئيس التركي، بينما تحدث أردوغان عن وعود أميركية بإعادة تفعيل الصفقة، من دون أن يصدر أي إعلان رسمي يؤكد إتمامها، ما يعكس استمرار التعقيدات التي تحيط بالعلاقات الدفاعية بين البلدين.
الحرب الروسية الأوكرانية ضمن حسابات واشنطن
الحرب الروسية الأوكرانية ضمن حسابات واشنطن
ولم تغب الحرب الروسية – الأوكرانية عن جدول الأعمال، إذ أعلن ترامب أنه يسعى إلى إنهائها في أقرب وقت، معتبراً أن إدارته نجحت في إنهاء عدد من النزاعات، وأن هدفها اليوم هو التوصل إلى تسوية توقف الحرب بين موسكو وكييف، في إطار رؤية أميركية تقوم على إعادة ترتيب ملفات الصراع الكبرى بالتوازي.
إعادة رسم النفوذ في الشرق الأوسط
إعادة رسم النفوذ في الشرق الأوسط
غير أن القراءة الأعمق لهذا اللقاء تتجاوز مضمون التصريحات. فالمشهد الإقليمي يوحي بأن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة توزيع الأدوار والنفوذ، في ظل تراجع منظومات كانت تحكم الشرق الأوسط لعقود، وصعود تفاهمات جديدة قد تعيد رسم الخرائط السياسية والأمنية. فتركيا تسعى إلى تثبيت موقعها لاعباً أساسياً بين الشرق والغرب، والولايات المتحدة تعمل على إعادة صياغة تحالفاتها بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة، فيما تبقى إيران وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين في قلب هذه التحولات.
المرحلة المقبلة وتبدل موازين القوى الدولية
المرحلة المقبلة وتبدل موازين القوى الدولية
لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت المنطقة تتغير، بل كيف سيكون شكل هذا التغيير، ومن سيدفع ثمنه، ومن سيكون المستفيد منه. فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ عادة بإطلاق الرصاص، بل باللقاءات السياسية التي تعيد صياغة التفاهمات، وترسم خطوط النفوذ، وتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
لقاء ترامب وأردوغان بداية مرحلة سياسية جديدة
وعليه، فإن لقاء ترامب وأردوغان لا يمكن التعامل معه كاجتماع بروتوكولي عابر على هامش قمة الناتو، بل هو محطة سياسية تعكس بداية مرحلة جديدة قد يكون تأثيرها على الشرق الأوسط مشابهاً، من حيث عمق التحولات، لما شهده العالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، عندما أعيد تشكيل النظام الدولي وفق توازنات القوة ومصالح الدول الكبرى.