الدكتور محمد خليل رضا:ماذا عن باقي الفحوصات المتعددة التي تحدد عمر وتاريخ وأقدمية العظام المدفونة في التربة؟ (باختصار شديد)
الحلقة الثالثة والأخيرة (3/3)
بقلم الدكتور محمد خليل رضا
سبق أن عددتُ في الحلقة الثانية بعض أنواع الصور الشعاعية وأخواتها التي تساعد في تحديد عمر وتاريخ وأقدمية العظام، بشكل عام.
وفي هذه المقالة سأستكمل البحث، وأعود إلى صلب الموضوع.
وقد تكلمت حينها عن أهمية درجة حموضة التربة (pH) في مثل هذه الحالات.
وماذا عن تقلبات الطقس والمناخ، ومهاجمة الحيوانات المختلفة، والقوارض، والزواحف، والطيور الكاسرة، والجارحة وغيرها للجثث، وما تبقى منها من أشلاء، ورؤوس متطايرة، وأطراف مبتورة، ومتَفحمة، ومحترقة، ومتحللة، ثم نقلها إلى مناطق جغرافية أخرى لإطعام صغارها؟ هنا قد لا نجد أصلًا جثة كاملة، ولا حتى عظام الهيكل العظمي كاملة.
إضافة إلى ذلك، أجرى العديد من العلماء أبحاثًا وتجارب دقيقة ومتنوعة لتحديد الفترة الزمنية بعد الوفاة، من خلال دراسة تفاعل العظام مع حمض الهيدروكلوريك (Acide chlorhydrique).
وأتمنى من الموقع المحترم ذكر ذلك أيضًا باللغة الأجنبية، على النحو الآتي:
Réactions de l’os avec l’acide chlorhydrique.
وللأمانة العلمية، أشير في هذا الخصوص إلى بعض أسماء العلماء الأجانب الذين قاموا بهذه الأبحاث والدراسات، مع ذكر السنوات، احترامًا لعلمهم وجهودهم وسهرهم الليالي. وأتمنى، في المقابل، أن نذكر أيضًا أسماء علماء عرب ومسلمين أسهموا في هذا المجال.
تجارب Lauder وKnight عام 1969.
تجارب Facchini وPettener عام 1977.
وغيرهم.
وقد اعتمد هؤلاء على دراسة التفاعل الكيميائي مع البنزيدين (Benzidine)، بالإضافة إلى الأشعة فوق البنفسجية.
كما استُخدمت قياسات التوصيلية (Conductivité)، وتقنيات أخرى حديثة ومتطورة.
ومنها أيضًا استخدام النظائر المشعة (Radioisotopes)، استنادًا إلى أبحاث العالم Swift عام 1998، ثم دراساته اللاحقة عام 2001.
ومن الطرق المهمة أيضًا Racemisation، أي التماكب الضوئي للأحماض الأمينية، ولا سيما حمض الأسبارتيك (Acide aspartique).
ومن العلماء الذين ساهموا في هذا المجال:
Waite وزملاؤه عام 1999.
Ritz-Timme وزملاؤه في الأعوام 1999 و2000 و2001.
Arny وزملاؤه عام 2004.
Ohtani وزملاؤه عام 2004.
وللتذكير، فإن Racemisation للأحماض الأمينية هو تحول مركب غير متجانس ضوئيًا إلى مركب متجانس ضوئيًا.
كما اهتم العالم Berg بتقنية تلوين العظام (Coloration de l’os)، مستعينًا بنوعين من الأصبغة:
Bleu de Nil
Indophenol
وقد بدأت هذه الدراسات عام 1963.
وتساعد هذه الأصباغ، ولا سيما في الدراسات المقارنة، على تقدير الفترة الزمنية التي مضت على الوفاة.
فعلى سبيل المثال:
إذا كان العظم قديمًا جدًا، فيُفضَّل استخدام Bleu de Nil، لأنه يسمح لقشرة العظم (Corticale) بامتصاص الصبغة، بينما يكون ذلك متعذرًا مع Indophenol.
وبناءً على نتائج Berg:
العظام المدفونة منذ 9 سنوات: يكون Indophenol مناسبًا.
بعد 10 سنوات: يكون Indophenol أكثر فائدة من Bleu de Nil.
بعد 14 سنة: يعطي الصبغان النتيجة نفسها.
بعد 20 سنة: تكون النتيجة متساوية تقريبًا بينهما.
بعد 36 سنة: يكون Indophenol أدق.
بعد 54 سنة: يصبح Bleu de Nil أدق ويفضل على Indophenol.
بعد 90 سنة: يعطي الصبغان النتيجة نفسها تقريبًا.
للعظام التي يتراوح عمرها بين 200 و500 سنة: يكون Bleu de Nil أفضل.
للعظام التي يبلغ عمرها نحو 1200 سنة: يتفوق Bleu de Nil بوضوح.
للعظام التي يبلغ عمرها 2000 سنة: يحقق Bleu de Nil أفضل النتائج، بينما يعجز Indophenol عن أداء المهمة بالكفاءة نفسها.
وللعظام المدفونة منذ نحو 4000 سنة: يبقى Bleu de Nil الخيار الأفضل.
وهكذا…
ولم أتطرق في هذه السلسلة المختصرة إلى الفروق بين عظام الرجل والمرأة، إذ إن هذا الموضوع يحتاج إلى حلقات عديدة.
وأختم بالقول إن لكل عظمة، سواء كانت بشرية أم حيوانية، معاييرها وأسسها ومختبراتها، ولغتها العلمية الخاصة من حيث المصطلحات، وذلك لتحديد عمرها وأقدميتها ومدة دفنها في التربة، سواء لعشرات أو مئات أو آلاف السنين.
فالطب الشرعي قادر على كشف أسرار الجثث المدفونة في التربة، حتى بعد مرور فترات زمنية طويلة، شرط أن يتوافر في تلك الدولة أطباء شرعيون متخصصون في الأنثروبولوجيا الشرعية (Forensic Anthropology)، يمتلكون الكفاءة والخبرة، وليس مجرد أشخاص غير مؤهلين، وأن تتوافر أيضًا الإرادة الصادقة لدى المسؤولين لإنجاز المهمة علميًا، لا إصدار النتائج عبر الهاتف أو ما يسمى بـ”الخط الساخن”.
ولفت نظري أن في كثير من الدول العربية توجد وزارة للتربية والتعليم العالي والبحث العلمي، وهنا يحق لي، كما يحق لغيري، أن نتساءل: أين هو البحث العلمي؟ فمعظم العلماء الذين ذكرتهم في هذه المقالة هم من الأجانب.
نسأل الله أن يوفق المسؤولين في مختلف الدول إلى دعم البحث العلمي، في وقت لا يزال فيه المواطن يبحث – كما يقال – “بالسراج والفتيلة” لإنجاز أبسط معاملاته الرسمية.
اللهم إني قد بلغت.
الدكتور محمد خليل رضا
طبيب شرعي، واختصاصي في تشريح الجثث، وعلم الضحية، والأذى الجسدي، والقانون الطبي، وعلم الجريمة، وجراح، وأستاذ جامعي، وأستاذ مساعد سابق في مستشفيات باريس – فرنسا، ورئيس اللجنة العلمية في التجمع الطبي الاجتماعي، وله اختصاصات علمية أخرى متعددة.
بيروت – لبنان.
