بقلم الدكتور محمد خليل رضا:لماذا لا يتصل جميع الرؤساء والمسؤولين اللبنانيين بضحايا الحرب الإسرائيلية على لبنان، معزّين أهالي الشهداء، ومطمئنين إلى أحوال الجرحى؟
الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان، والتي بدأت جولتها المتسلسلة والمتنقلة جغرافيًا، وحطّت فجأة بتاريخ 2 آذار (مارس) 2026، ولا تزال مستمرة حتى تاريخه.
وقد خلّفت أكثر من (4297) شهيدًا، رحمهم الله، وأكثر من (12269) جريحًا، شفاهم الله، ناهيك عن الدمار والخراب والمجازر الجماعية التي طالت البشر والحجر والشجر، وكل ما يتحرك، في العديد من المناطق اللبنانية، ولا سيما في جنوب لبنان، والبقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت، وقلب العاصمة بيروت، ومناطق أخرى.
وما يهمنا في هذه المقالة المختصرة جدًا هو تسليط الضوء على ملاحظات عديدة تتعلق بكبار المسؤولين في لبنان، لجهة ما يُعدّ تقصيرًا في عدم الاطمئنان شخصيًا، أو عبر من يمثلهم رسميًا، على أحوال الجرحى جميعًا، شفاهم الله، وعدم تقديم واجب العزاء إلى أهالي الشهداء كافة باستشهاد أبنائهم وذويهم، رحمهم الله.
وإذا تعذر، لاعتبارات لوجستية أو عملية، التواصل فردًا فردًا مع أهالي الشهداء والجرحى، فلا بأس بالتواصل، وفق الأصول، عبر رؤساء البلديات في المدن والقرى والمناطق، أو عبر المخاتير في مناطق الشهداء والجرحى، أو من خلال كبير العائلة أو العشيرة أو من يمثلها عرفًا، لتقديم التعازي والاطمئنان على الجرحى.
وحبذا لو أن فخامة رئيس الجمهورية، ودولة رئيس مجلس الوزراء، ودولة رئيس مجلس النواب، ورجال الدين من مختلف الطوائف والمذاهب اللبنانية، والوزراء، والنواب، والسياسيين، وسائر الشرفاء في الوطن، يعتمدون هذه الآلية، لما لها من أثر في امتصاص غضب الأهالي تجاه بعض المسؤولين، ولما قد تحمله من انعكاسات إيجابية ومثمرة تؤسس لمستقبل أفضل، وتجسد عمليًا مفهوم المواطنة الصالحة والسليمة.
وينسجم ذلك مع الحكمة الخالدة لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): «أخوك من واساك في الشدة».
وقوله أيضًا: «آلة الرئاسة سعة الصدر».
أي إن من يريد أن يكون رئيسًا، ينبغي أن يتسع صدره للجميع، ويستمع إليهم، ويعاملهم بالمساواة والعدل والإنصاف، بعيدًا عن أي تمييز أو تفرقة.
كما ينسجم ذلك مع ما جاء في القرآن الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة، والكتاب المقدس، وأقوال السيد المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام).
قال تعالى:
﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾
(سورة الحج، الآية 77).
وقال تعالى:
﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾
(سورة البقرة، الآية 195).
وقال السيد المسيح (عليه السلام):
«إن أهم ما يجب أن نفعله هو محبة الله، وثاني أهم شيء هو أن نحب الآخرين.» (مرقس 12: 28-31، متى 22: 35-40، لوقا 10: 25-28).
وقال أيضًا:
«أحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم.» (يوحنا 13: 34).
وجاء في إنجيل لوقا:
«أما أنا فبينكم كالذي يخدم.» (لوقا 22: 27).
ويقول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
«افعل الخير، وليقع حيث يقع، فإن وقع في أهله فهم من أهله، وإن وقع في غير أهله فأنت من أهله.»
وقال الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام):
«أعطِ الخير لكل من طلبه منك، فإن لم يكن من أهل الخير كنت أنت من أهل الخير.»
وحبذا لو تصدر هذه المبادرات الإنسانية عن كبار المسؤولين في لبنان، من أعلى الهرم إلى سائر المسؤولين، فتُسجل في ميزان حسناتهم، ويكون لها أثر إنساني ووطني جامع.
لكننا نذكّر جميع الرؤساء والسياسيين ورجال الدين وغيرهم، بأننا سمعنا مرارًا أن شهداء الاعتداءات الإسرائيلية من المواطنين اللبنانيين هم شهداء الوطن، كما أن شهداء الجيش اللبناني هم أيضًا شهداء الوطن.
وقد شاهدنا، بالصوت والصورة، فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون، وعقيلته السيدة نعمت عون، مع وفد رسمي وطبي، يزورون جرحى الجيش اللبناني في أكثر من مستشفى في بيروت للاطمئنان عليهم.
فلو جرت مقاربة مماثلة تجاه المدنيين من الشهداء والجرحى، لكان لذلك أثر بالغ، شرط أن تكون المبادرة صادقة ونابعة من القلب، حتى لا تُفسَّر الزيارات بأنها «بسمنة وأخرى بزيت».
ومن باب الإنصاف، نذكر أنه منذ عشرات السنين، عندما اختطفت مجموعة «أبو سياف» عددًا من السياح الأجانب، ومن بينهم لبنانيون، أوفد رئيس الجمهورية الراحل إلياس الهراوي، رحمه الله، وفدًا وزاريًا رفيع المستوى إلى الخارج، ومن بين أعضائه وزير الزراعة الراحل عادل قرطاس، رحمه الله، للاطمئنان إلى المختطفين، وربما للتفاوض من أجل سلامتهم.
وإذا كانت تلك الجهود قد بُذلت من أجل مواطنين خارج لبنان، فإن أهالي الشهداء والجرحى اليوم موجودون داخل الأراضي اللبنانية، ولا يتطلب التواصل معهم عناء السفر أو تكاليف باهظة، بل يمكن أن يتم، في الحد الأدنى، عبر اتصال هاتفي، إذا صدقت النية.
وأختم بالحديث النبوي الشريف:
«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.»
كما أذكر بحكمة رائعة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
«فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها.»
والسلام على من اتبع الهدى وخشي الرحمن.
الدكتور محمد خليل رضا
طبيب شرعي، وأخصائي في تشريح الجثث، وعلم الضحية، والأذى الجسدي، والقانون الطبي، وعلم الجريمة، وجراح، وأستاذ جامعي، وأستاذ مساعد سابق في مستشفيات باريس – فرنسا.
ورئيس اللجنة العلمية في التجمع الطبي الاجتماعي اللبناني.
وله اختصاصات علمية أخرى متنوعة.
بيروت – لبنان.
