يستعرض هذا التحليل أبعاد مذكرة تفاهم إسلام آباد بين واشنطن وطهران، واستراتيجية إيران في إدارة المفاوضات النووية، وتأثيرها على إسرائيل ولبنان ومستقبل الاتفاق النووي والتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.
بقلم : حسن حردان – البناء
مرحلة عض الأصابع
دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلة “عضّ أصابع” دبلوماسية وسياسية بالغة التعقيد فور توقيع “مذكرة تفاهم إسلام آباد” بين واشنطن وطهران. وفي حين بدَت المذكرة للوهلة الأولى كمحاولة لتهدئة بركان المواجهة البحرية والعسكرية، إلا أنّ التطورات التي تلتها كشفت عن معركة تفاوضية شرسة، تقع في قلبها صياغة “البند الأول” للاتفاق.
لقد نجحت الدبلوماسية الإيرانية، عبر استراتيجية حافة الهاوية، في فرض نمط تفاوضي يقوم على “تفكيك الملفات” واشتراط نيْل المكاسب السيادية والاقتصادية سلفاً قبل الدخول في مغارة التفاوض حول الملف النووي المعقد؛ وهو واقع دفع الإدارة الأميركية للمناورة، وتسبّب في حالة قلق عارم داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية.
أولاً: الاستراتيجية الإيرانية…
تفكيك الملفات وحصاد التسييل الفوري
لقد أظهرت المذكرة أنّ إيران حققت خرقاً استراتيجياً في آلية إدارة الأزمة مع الولايات المتحدة. فبينما كانت الإدارات الأميركية المتعاقبة تصرّ على مقاربة “السلة الشاملة” التي تضع تفكيك البرنامج النووي والقدرات الصاروخية شرطاً لأيّ انفراج اقتصادي، قلبت طهران هذه المعادلة عبر بوابتين:
السيولة الاقتصادية المشروطة بزمن: انتزعت طهران فور التوقيع رخصة الخزانة الأميركية الاستثنائية الصادرة في 22 يونيو 2026. هذه الرخصة لم تكن مجرد وعد، بل إفراج قانوني مؤقت (ينتهي في 21 أب 2026) يسمح بإنهاء الحصار البحري العملي للموانئ الإيرانية، وتصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية، وتسييل الأموال المجمّدة، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز تحت الإدارة المشتركة الايرانية ـ العُمانية.
التحصين المسبق لطاولة المفاوضات: من خلال فرض “البند الأول” (الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان)، تمكنت إيران من نزع سيف التهديد العسكري والحصار أثناء فترة الـ 60 يوماً المخصصة للمفاوضات النووية في سويسرا.
ثانياً: التلكؤ الأميركي والمناورة الإسرائيلية
الالتفاف عبر “الاتفاق الثلاثي”
أمام هذا الواقع المباغت، وجدت إدارة دونالد ترامب نفسها في مواجهة ضغوط مزدوجة: حماية الأسواق العالمية من قفزات أسعار النفط، وضمان أهداف حليفتها “إسرائيل” ومساعدة نتنياهو على الخروح من مأزقه الداخلي. ومن هنا ولدت محاولة “الالتفاف الدبلوماسي” عبر هندسة اتفاق إطاري منفصل (أميركي ـ “إسرائيلي” ـ لبناني).
هدفت واشنطن وتل أبيب من هذا المسار إلى تفكيك الترابط بين الجبهات؛ بحيث تحصل “إسرائيل” على ترتيبات أمنية خاصة (نزع سلاح حزب الله، وبقاء عسكري مشروط في الجنوب)، مما يحيّد جبهة لبنان عن شروط تفاهمات جنيف وإسلام آباد.
إلا أنّ هذا الالتفاف رُفض كلياً في طهران وغالبية لبنانية؛ حيث اعتبر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أنّ أيّ ترتيبات لا تضمن الانسحاب “الإسرائيلي” الكامل وغير المشروط تُعدّ خرقاً صريحاً للبند الأول، مما أدى إلى كبح إقلاع المفاوضات السياسية وتجميد المسار عند نقطة الردع المتبادل.
ثالثاً: القلق “الإسرائيلي”…
شبح “أميركا أولاً” والتضحية بالحليف
يعكس القلق البارز في الصحافة الإسرائيلية) مثل Ynet وTimes of Israel إدراكاً عميقاً داخل تل أبيب لبنية التفكير الاستراتيجي لترامب. فالرئيس الأميركي، المدفوع بشعار “أميركا أولاً”، يرى أنّ استقرار الملاحة في هرمز، وتجنّب ركود اقتصادي عالمي قبل انتخابات التجديد النصفي، وحقن دماء الجنود الأميركيين، هي أولويات تفوق طموحات حكومة بنيامين نتنياهو الإقليمية.
تخشى تل أبيب ويسود في دوائر قرارها ذعر من أنّ ترامب، وتحت ضغط الـ 60 يوماً المهدّدة بالانقضاء، قد يقبل بالصيغة الإيرانية للبند الأول، ويجبر جيش الاحتلال “الإسرائيلي” على انسحاب كامل من لبنان، والتضحية بحلم “إسرائيل” في تكريس إقامة المنطقة الأمنية لإنقاذ اتفاقه مع إيران، ووضع اللمسات الأخيرة على “الاتفاق النووي الأكبر” الذي يطمح لتسجيله كإنجاز تاريخي شخصي.
رابعاً: احتمالات وسيناريوات
المعركة التفاوضية
بناءً على توازنات القوة الحالية وأوراق الضغط المتاحة، تتأرجح المرحلة المقبلة بين ثلاثة احتمالات أساسية:
الاحتمال الأول: التراجع الأميركي والامتثال للشرط الإيراني (المرجّح نسبياً)
تحت وطأة التلويح الإيراني بإغلاق مضيق هرمز مجدداً، وبسبب قصر المدة الزمنية المتبقية لترخيص الخزانة الأميركية، تجد واشنطن نفسها عاجزة عن تحمّل كلفة صدمة طاقة عالمية. تضغط الإدارة الأميركية على “إسرائيل” للقبول بجدول زمني قصير للانسحاب الكامل من لبنان تحت غطاء “آلية مراقبة دولية وإقليمية” (تضمّ وسطاء مثل باكستان وسلطنة عُمان).
النتيجة: يفتح هذا التراجع الباب أمام انطلاق المفاوضات النووية الفعلية، مع تثبيت المكاسب الميدانية لإيران وحلفائها.
الاحتمال الثاني: “التسوية الرمادية” (مشروط بموافقة ايران)،
يلجأ الطرفان إلى صياغة تفسيرية مرنة للبند الأول لا تُظهر واشنطن بمظهر المنكسِر ولا تنزع من طهران جوهر شرطها. يتمّ الإعلان عن “انسحاب إسرائيلي” على مراحل مرتبطة بتقدّم المفاوضات في سويسرا، مع تجميد العمليات العسكرية الهجومية بالكامل.
النتيجة: تمرير مهلة الـ 60 يوماً بالحدّ الأدنى من الاستقرار الميداني، وتأجيل الانفجار الشامل إلى ما بعد آب 2026 في حال تعثر الاتفاق النووي النهائي.
الاحتمال الثالث: انهيار التفاهم والعودة إلى “المواجهة الصفرية”،
يُصرّ ترامب على فرض الاتفاق اللبناني المشروط إسرائيلياً، فتعلن طهران رسمياً انتهاء مفاعيل “مذكرة إسلام آباد”، وتوقف العمل بآلية التنسيق المشترك للملاحة، ملوّحة بإغلاق مطبَق لمضيق هرمز وإلغاء مفاوضات سويسرا.
النتيجة: إلغاء الخزانة الأميركية للرخصة GL X، وعودة تفعيل عقوبات، ودخول المنطقة في جولة مواجهة عسكرية بحرية وإقليمية أوسع من سابقتها.
انطلاقاً مما تقدّم يمكن القول: أثبتت معركة “البند الأول” أنّ التوقيع على مذكرة التفاهم ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لصراع أشدّ ضراوة حول آليات التنفيذ. لقد نجحت طهران في تحييد أوراق القوة الاقتصادية والعسكرية الأميركية مؤقتاً، تاركةً واشنطن أمام خيار مرّ: إما إرغام “إسرائيل” على التراجع وحفظ مصالح الاقتصاد الأميركي العليا، أو المغامرة بانهيار تفاهم تاريخي والعودة إلى المربع الصفر فوق مياه الخليج الدافئة…
