إذا افترضنا أن الاتفاق الأمريكي الإيراني قد تم توقيعه، فإن المنطقة تكون قد دخلت مرحلة جديدة، لكنها بالتأكيد لا تكون قد خرجت نهائياً من دائرة الخطر. فالتوقيع، مهما كانت أهميته السياسية، لا يعني تلقائياً أن الحرب انتهت، ولا أن أسباب التوتر زالت، ولا أن لبنان أصبح خارج حسابات المواجهة.

الاتفاق الأمريكي الإيراني بين التهدئة واختبار التنفيذ

الاتفاق الأمريكي الإيراني بين التهدئة واختبار التنفيذ
الاتفاق الأمريكي الإيراني بين التهدئة واختبار التنفيذ

ما يمكن قوله هو أن الصراع انتقل من مرحلة النار المفتوحة إلى مرحلة الاختبار السياسي والميداني. وهنا تصبح الأسئلة أكثر أهمية من صورة التوقيع نفسها: هل تلتزم إسرائيل؟ هل تتوقف الخروقات؟ هل تنسحب من النقاط المحتلة؟ وهل يتحول الاتفاق إلى تهدئة حقيقية أم إلى غطاء مؤقت لإعادة ترتيب الأوراق؟

الاتفاقات الكبرى لا تُقاس بالحبر على الورق فقط، بل بما يجري على الأرض. فإذا تراجع العدوان وانخفض منسوب الخطر وشعر أهل الجنوب أن الأمن بدأ يعود فعلاً، عندها يمكن الحديث عن فرصة جدية للتهدئة.

لبنان بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني.. تحديات الاستقرار والسيادة

لبنان يحتاج إلى الهدوء، والجنوب يحتاج إلى الاستقرار، والناس تعبت من الحرب والنزوح والقلق. لكن الهدوء الحقيقي لا يُصنع بتقييد طرف وترك الطرف الآخر حراً. فالاستقرار يحتاج إلى توازن وإلى التزام متبادل وضمانات واضحة تمنع إسرائيل من استخدام الاتفاق بطريقة انتقائية.

الخطر اليوم لا يكمن في الحرب وحدها، بل أيضاً في اتفاق يُطلب فيه من لبنان أن يهدأ بينما لا تُلزم إسرائيل عملياً بوقف عدوانها. وهنا يصبح التنفيذ هو الامتحان الحقيقي للمرحلة المقبلة.

إسرائيل ومعركة تفسير الاتفاق بعد التوقيع

قد تسعى إسرائيل إلى تفسير الاتفاق لمصلحتها أو فرض شروط إضافية أو نقل الضغط من الحدود إلى الداخل اللبناني. وقد تحاول جعل النقاش في لبنان يدور فقط حول سلاح المقاومة لا حول الاحتلال والخروقات والاعتداءات.

أي نقاش داخلي بعد الاتفاق يجب أن يبدأ من سؤال واضح: هل التزمت إسرائيل بما عليها؟ وهل احترمت السيادة اللبنانية؟ فهذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت التهدئة قابلة للحياة أم أنها مجرد هدنة مؤقتة.

دور إيران وواشنطن في مرحلة ما بعد الاتفاق

أما إيران، فإذا وقّعت الاتفاق، فهي لا تخرج من المعادلة، بل تؤكد أن التفاوض الفعّال يحتاج إلى أوراق قوة. وواشنطن من جهتها لا تذهب إلى الاتفاق لأنها تخلت عن مصالحها، بل لأنها تدرك أن الحرب المفتوحة في المنطقة ستكون مكلفة.

لذلك فإن الاتفاق الأمريكي الإيراني إذا حصل ليس هدية من طرف لآخر، بل نتيجة توازنات وحسابات دقيقة فرضتها الوقائع السياسية والعسكرية.

الاتفاق الأمريكي الإيراني… بداية مرحلة جديدة لا نهاية الصراع

مرحلة ما بعد التوقيع قد تكون أكثر حساسية من مرحلة ما قبله. فكل طرف سيختبر حدود الاتفاق، وإسرائيل ستراقب هامش حركتها، وواشنطن ستراقب سلوك إيران وحلفائها، فيما ستراقب المقاومة في لبنان الميدان لا البيانات.

الخلاصة أن توقيع الاتفاق الأمريكي الإيراني لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية امتحان جديد. وقد يكون مدخلاً لتهدئة جدية إذا التزمت إسرائيل، وإذا وُجدت ضمانات واضحة، وإذا أحسن لبنان إدارة المرحلة. وقد يكون مجرد استراحة مؤقتة إذا بقي التنفيذ غامضاً.

الأيام المقبلة، لا البيانات، هي التي ستكشف الحقيقة.

بقلم: عمر معربوني | باحث في الشؤون السياسية والعسكرية

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com