شهدت المنطقة جولة من جولات الصراع تحت سقف حافة الهاوية، بين إيران والكيان الإسرائيلي، حيث تداخلت خطوط النار الميدانية مع كواليس الدبلوماسية. ومع بروز مؤشرات حول ترتيبات “اتفاق إسلام آباد” لوقف إطلاق النار، اندلع كباش سياسي وإعلامي؛ بين طهران التي تسعى مع حلفائها من قوى المقاومة إلى تكريس معادلة ردع إقليمية شاملة، وتل أبيب التي تحاول منع تثبيت هذه المعادلات والهروب من استحقاقات الإذعان للضغوط الدولية.
أولاً: التوقيت الإيراني…
تثبيت الردع ووحدة الساحات
لم يكن الإعلان الإيراني المشروط بوقف العمليات العسكرية مجرد استجابة لرسائل التهدئة الأميركية ـ الإسرائيلية، بل جاء مناورة سياسية وعسكرية مدروسة بعناية تندرج تحت عدة أبعاد:

1 ـ تكريس “وحدة الساحات” كأمر واقع:

بالإصرار الإيراني، الذي عبّر عنه بوضوح رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، على أن ّأيّ خرق لوقف النار في لبنان، وتحديداً في الجنوب والضاحية، سيقابَل بردّ إيراني أشدّ قوة، قطعت طهران الطريق على أيّ محاولات أميركية أو إسرائيلية لتجزئة الاتفاق. الرسالة هنا واضحة: أمن طهران من أمن بيروت وجنوبها، والتسوية إما أن تكون رزمة أمنية متكاملة أو لا تكون…

2 ـ إلقاء الحجة وإحراج الحلف المعادي:

عبر إبداء المرونة المشروطة بالالتزام الإسرائيلي، نقلت إيران عبء المسؤولية السياسية إلى ملعب نتنياهو وإدارة ترامب، مظهرةً رغبتها في إنجاح الدبلوماسية، ومحمّلةً كيان الاحتلال تبعات أيّ انهيار مقبل قد يجرّ المنطقة إلى حرب شاملة أكدت طهران أنها لا تهابها.

ثانياً: السردية الإسرائيلية المتناقضة…

محاولة الهروب من “الفخ”
في المقابل، تعكس مواقف بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس حجم المأزق الإسرائيلي في تسويق نتائج هذه الجولة أمام الرأي العام الداخلي. وتتحرك هذه السردية في اتجاهين:
الفصل الشكلي للجبهات: يحاول الخطاب الإسرائيلي ربط وقف العمليات في الضاحية الجنوبية حصراً بوقف استهداف شمال فلسطين المحتلة، مع الإصرار على استمرار الاستباحة العسكرية لجنوب لبنان. هذا التميّز يهدف إلى طمأنة اليمين المتطرف والشارع الإسرائيلي بأنّ الجيش لم يقدّم تنازلات تمسّ هدفه المعلن بالقضاء على البنية العسكرية للمقاومة جنوب نهر الليطاني.
صناعة “نصر متخيّل”: جاء ادّعاء نتنياهو بأنّ إيران تراجعت بعد الردّ الإسرائيلي، وتشديده على “حق الدفاع عن النفس”، كجرعة تخدير سياسية للداخل الإسرائيلي، في محاولة يائسة للإيحاء بأنه لا يزال يمسك بزمام المبادرة والقرار السيادي، نافياً خضوعه لمعادلات فرضتها طهران أو مسارات رسمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ثالثاً: مأزق نتنياهو…

مأزق نتنياهو…
مأزق نتنياهو…

رغم محاولات نتنياهو إظهار القوة والاستقلالية، فإنّ الحقائق السياسية والميدانية تضعه في فخ مكشوف:

حقيقة الضغط الأميركي: تكشف تسريبات “أكسيوس” حول إبلاغ واشنطن لنتنياهو بضرورة إنهاء التصعيد وعدم الموافقة على بعض الضربات، أنّ السقف الذي يتحرك تحته الاحتلال مرسوم بدقة في البيت الأبيض. ترامب، المندفع نحو تحقيق إنجازات خارجية سريعة وحماية ممرات الطاقة والتجارة عبر “اتفاق إسلام آباد”، لن يسمح لنتنياهو بعرقلة هذه الرؤية الشاملة من أجل حساباته الحزبية الضيقة.
استحالة الفصل الميداني: إنّ محاولة فصل جنوب لبنان عن معادلة الردع الشاملة هي وهم يصطدم بجدار الميدان؛ فطالما أنّ المقاومة في لبنان وإيران متمسكتان بالترابط العسكري، فإنّ أيّ غارة إسرائيلية في الجنوب ستعني استمرار الصواريخ على المستوطنات الشمالية، مما يسقط سردية نتنياهو الأمنية تلقائياً ويثبت معادلة “ربط الجبهات” بقوة السلاح لا بالتصريحات السياسية.

رابعاً: الخلاصات الاستراتيجية

تمخضت هذه الجولة من القتال عن جملة من الخلاصات التي تؤسّس لمرحلة جديدة في الصراع الإقليمي:
الخلاصة الأولى، تبدّل قواعد الاشتباك: نجحت إيران وحلفاؤها في الانتقال من الاستراتيجية الدفاعية أو “الصبر الاستراتيجي” إلى مرحلة المبادرة المباشرة بالضرب في عمق الكيان لدعم جبهات الإسناد، مما رسخ معادلة ردع جديدة أثبتت فيها طهران جهوزيتها لخوض غمار الحرب الشاملة إذا فرضت عليها.. واستعداد اليمن وقوى المقاومة في العراق للانخراط في المعركة، وهو ما دعمته حركة انصار الله بإطلاق دفعة من الصواريخ الباليستية على العمق الفلسطيني المحتل، واعادة اقفال مضيق باب المندب بوجه السفن الآتية والذاهبة من وإلى موانئ فلسطين المحتل.
الخلاصة الثانية، حدود القوة الإسرائيلية: تأكد للقاصي والداني أنّ الكيان الإسرائيلي، رغم تفوقه التكنولوجي والتدميري، بات عاجزاً عن تحقيق “الحسم المطلق” أو فرض شروطه، وأنه يمرّ بأزمة ثقة بنيوية عميقة بين قيادته السياسية ورأيه العام الذي بات يدرك أنّ واشنطن هي من تقرّر وترسم حدود الحركة.
الخلاصة الثالثة، سلوك الاحتلال على المحك: حيث غدَت مصداقية وجدية إدارة ترامب في إلزام نتنياهو بوقف النار الشامل والكامل (بما يشمل جنوب لبنان) هي المعيار الوحيد لنجاح أو فشل مسار مفاوضات إسلام آباد. أيّ مواربة أميركية أو محاولة لإعطاء ضوء أخضر مضمَر لخرق التهدئة في الجنوب، ستعني إيرانياً عودة لغة النار لتفرض خطوطها الحمراء من جديد على امتداد الساحات الإقليمية…

بقلم: حسن حردان – صحيفة البناء

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com