بقلم: عصام الحلبي

خاص _ مركز بيروت

في السياسة لا تكفي متابعة الحدث بحد ذاته لفهم ما يجري، فالصواريخ التي أطلقتها إيران باتجاه “إسرائيل” قد تبدو للوهلة الأولى للمتابع أنها مجرد رد عسكري على اعتداء أو ضربة مقابل ضربة، لكن قراءة أعمق لمشهد الأحداث تكشف أن ما يجري يتجاوز حدود المواجهة الإيرانية – الإسرائيلية، ويمتد إلى صراع دولي أكبر تتداخل فيه حسابات واشنطن وبكين بقدر ما تتداخل فيه حسابات طهران وتل أبيب.

جاء التصعيد الإيراني في وقت لا تزال فيه أصداء الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين حاضرة في الأوساط السياسية الدولية، فالزيارة لم تكن بروتوكولية أو اقتصادية بحتة، بل حملت معها ملفات شديدة الحساسية، من بينها الحرب في الشرق الأوسط، والملف الإيراني، ومستقبل التوازنات الدولية في ظل احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين.

منذ سنوات تنظر واشنطن إلى الصين باعتبارها الدولة الأكثر قدرة على التأثير في إيران. فالصين هي الشريك التجاري الأكبر لطهران، وهي المستورد الأهم للنفط الإيراني، كما أنها تشكل نافذة اقتصادية حيوية تساعد الإيرانيين على مواجهة جزء من الضغوط والعقوبات الغربية، لذلك كان من الطبيعي أن تسعى الإدارة الأميركية إلى استثمار علاقتها مع بكين من أجل دفعها إلى ممارسة مزيد من الضغط على طهران.

لكن الصين تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة تماماً.

فبالنسبة لبكين، لا تمثل إيران مجرد مصدر للطاقة أو شريكاً تجارياً، بل تشكل جزءاً من شبكة التوازنات التي تساعدها على مواجهة النفوذ الأميركي المتنامي حول العالم، ومن هنا فإن الصين لا تجد مصلحة في إضعاف إيران أو دفعها إلى تقديم تنازلات استراتيجية للولايات المتحدة، كما أنها في الوقت نفسه لا ترغب في رؤية المنطقة تنزلق إلى حرب شاملة تهدد مصالحها الاقتصادية وخطوط تجارتها الدولية.

هذه المعادلة تفسر جانباً من الغموض الذي أحاط بنتائج قمة ترامب – شي. فبينما تحدثت واشنطن عن تفاهمات إيجابية، تجنبت بكين إعطاء انطباع بأنها مستعدة للانخراط في سياسة الضغوط الأميركية على إيران، وقد بدا واضحاً أن الصين تريد الاحتفاظ بعلاقاتها مع جميع الأطراف، من دون أن تتحول إلى أداة في يد أي طرف ضد الآخر.

من هنا يبرز سؤال مشروع: هل تستخدم الصين إيران كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة؟

ربما لا يكون التعبير الأدق هو “استخدام”، لأن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من ذلك. لكن المؤكد أن وجود إيران قوية وقادرة على الصمود يمنح الصين هامشاً إضافياً في صراعها الاستراتيجي مع واشنطن، فكل أزمة في الشرق الأوسط تستدعي انخراطاً أميركياً أكبر، وكل جهد عسكري أو سياسي تبذله الولايات المتحدة في المنطقة هو جهد لا يذهب بالكامل إلى شرق آسيا، حيث تعتبر الصين أن المواجهة الحقيقية على قيادة النظام الدولي ما زالت تتشكل.

لهذا السبب لا تبدو بكين مستعجلة لحل كل الأزمات المحيطة بإيران، كما أنها لا تبدو راغبة في تأجيجها. بل إنها تفضل بقاء الأمور ضمن مستوى يمكن التحكم به، توتر دائم، لكنه لا يتحول إلى حرب مفتوحة.

أما إيران، فهي تدرك جيداً هذه المعادلات، ولذلك فإن إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل يمكن فهمه على أنه رسالة متعددة الاتجاهات، رسالة إلى إسرائيل بأن سياسة الضربات لن تمر بلا رد، ورسالة إلى الولايات المتحدة بأن الضغوط السياسية والعسكرية لم تسلبها قدرتها على المبادرة، ورسالة إلى العالم بأنها ما زالت لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوز دوره في أي ترتيبات مقبلة تخص المنطقة.

وفي المقابل، تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة معقدة، فهي تريد الحفاظ على قوة الردع وإظهار قدرتها على الرد، لكنها تدرك أن أي تصعيد واسع قد يفتح أبواب المنطقة على مواجهة يصعب التحكم بمسارها أو بنتائجها كما أن واشنطن لا تبدو متحمسة في هذه المرحلة لحرب إقليمية شاملة يمكن أن تربك حساباتها الدولية في أكثر من ساحة.

لهذا فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون بداية حرب كبيرة بقدر ما هو فصل جديد من الصراع على رسم موازين القوى في المنطقة والعالم. فالصواريخ التي تعبر سماء الشرق الأوسط ليست مجرد أدوات عسكرية، بل رسائل سياسية تحمل في مسارها أسئلة تتعلق بمستقبل النفوذ الأميركي، وصعود الصين، ودور إيران، وحدود القوة الإسرائيلية.

وفي عالم تتراجع فيه التحالفات القديمة وتتشكل فيه تحالفات جديدة، يبدو أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة للصراعات الإقليمية، بل أصبح واحداً من أهم ميادين اختبار النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعيننا، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى فوق خرائط المنطقة، وتتحول كل مواجهة محلية إلى جزء من لعبة أمم أكبر بكثير من حدودها المباشرة.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com