كتب باسم الموسوي

لم تكن إيران، في تاريخها الطويل، أرض هضاب وسهوب وقوافل فقط. ولم تكن الفارسية لغة بلاطات داخلية، تدور بين خراسان وأصفهان وسمرقند ودلهي فحسب. ثمة إيران أخرى، أو بالأحرى عالم فارسياتي آخر، أبحر في المحيط الهندي، وترك آثاره في الموانئ والجرار الخزفية والمخطوطات والأساطير والأنساب والطقوس واللغات. هذا هو الأفق الذي يفتحه كتاب Iran and Persianate Culture in the Indian Ocean World بتحرير أندرو بيكوك: إعادة رسم خريطة الثقافة الفارسية خارج حدود البرّ، وإدخال البحر في قلب تاريخ إيران والعالم الفارسياتي.
الفكرة المركزية في الكتاب بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في نتائجها: المحيط الهندي لم يكن فضاءً عربيًا أو هنديًا أو أوروبيًا فقط، بل كان أيضًا فضاءً فارسياتيًا. لم يكن الفرس والإيرانيون والناطقون بالفارسية مجرد عابري سبيل في هذا البحر، بل كانوا جزءًا من نسيجه التجاري والديني واللغوي والسياسي. من سيراف على الخليج إلى شرق أفريقيا، ومن الصين إلى المالديف، ومن سريلانكا إلى الملايو وسيام وموريشيوس، تظهر الفارسية لا كهوية قومية مغلقة، بل كطاقة ثقافية عابرة للحدود، قادرة على الترجمة والاختلاط وبناء الشرعية وتخيل العالم.
أول ما يفعله الكتاب أنه يزعزع صورة مألوفة عن تاريخ إيران. اعتدنا أن نقرأ إيران من الداخل: الإمبراطوريات، البلاطات، المدن الكبرى، الصراعات المذهبية، الفقه والكلام والشعر. أما هنا، فنراها من البحر. والبحر لا يعترف بالحدود الصلبة. إنه يخلط التجار بالرهبان، والفقهاء بالبحارة، والأمراء بالمنفيين، والأساطير بالبضائع. لذلك يبدو مصطلح “الفارسياتي” أنسب من “الفارسي” أو “الإيراني” وحدهما؛ فهو لا يشير فقط إلى دولة أو قومية، بل إلى مجال ثقافي واسع اشتركت فيه لغات إيرانية، وفارسية أدبية، وجماعات مسلمة وزردشتية ومسيحية ويهودية، وممارسات كتابية ومادية وصلت إلى ما هو أبعد بكثير من إيران السياسية.
يفتتح الكتاب بسيراف، ذلك الميناء الذي تحوّل في العصر العباسي إلى إحدى عقد التجارة الكبرى في الخليج والمحيط الهندي. لكن الفصل لا يكتفي بتمجيد دور سيراف، بل يطرح سؤالًا نقديًا: هل كانت سيراف ذات أصل ساساني بحري فعلاً، كما ذهب بعض الباحثين، أم أن عظمتها ارتبطت أساسًا بالقرنين التاسع والعاشر في ظل العباسيين؟ هنا يشتغل الكتاب منذ بدايته ضد السرديات السهلة. لا يكفي أن نقول إن الساسانيين سيطروا على الخليج والمحيط الهندي؛ ينبغي أن نقرأ الطبقات الأثرية، وأن نميّز بين الفرضية والحقيقة، وبين الرغبة في إيجاد أصل إمبراطوري قديم وبين ما تسمح به الأدلة. وفي هذا المعنى، لا يبدأ الكتاب بأسطورة مجد، بل بمنهج: تاريخ البحر يجب أن يُبنى من الشواهد الصغيرة بقدر ما يُبنى من النصوص الكبرى.
ومن هذه الشواهد الصغيرة ينتقل الكتاب إلى علامات الجرار الخزفية، وهي من أجمل لحظاته المنهجية. فالعلامة المنقوشة على جرة، أو الاسم المكتوب على وعاء نقل، قد يكون أبلغ أحيانًا من سجل سياسي كامل. هذه العلامات تكشف فاعلين لا تظهر أسماؤهم في كتب التاريخ: تجارًا، مالكين، وسطاء، جماعات مقيمة أو عابرة. إنها تضعنا أمام اقتصاد يومي للمحيط الهندي، حيث تتحرك السلع ومعها الخطوط واللغات والملكية والذاكرة. فالخزف هنا ليس مجرد مادة أثرية، بل وثيقة عبور. ومن خلاله نرى أن الفارسياتية لم تكن دائمًا قصيدة أو مرسومًا سلطانيًا، بل قد تكون أثرًا على جرة، أو كلمة قصيرة تنجو من غرق الأرشيف الكبير.
ثم يذهب الكتاب إلى شرق أفريقيا، حيث تظهر “الشيرازية” بوصفها واحدة من أكثر الأساطير السياسية إثارة في تاريخ الساحل السواحلي. تروي بعض المصادر أن سفنًا خرجت من شيراز واستقرت في موانئ مثل كلوة وممباسا وبمبا وأنجوان. السؤال: هل حدث ذلك فعلًا؟ لا يجيب الكتاب بنعم أو لا على نحو تبسيطي. الأهم من الواقعة العارية هو وظيفة الرواية. فقد أصبحت شيراز أصلًا رمزيًا، ومصدر نسب، ووسيلة لرفع مكانة السلالات الساحلية وربطها بعالم إسلامي أوسع. حتى لو لم تكن الهجرة الشيرازية قد وقعت كما ترويها النصوص، فإن أثرها السياسي والثقافي كان حقيقيًا. فالأنساب لا تعمل فقط حين تكون صحيحة، بل تعمل حين تُصدّق وتُستخدم وتُدرج في بناء السلطة.
في المقابل، لا يحصر الكتاب الفارسياتية في الغرب الهندي أو الساحل الأفريقي، بل يتابعها شرقًا نحو الصين. العلاقات بين الخليج والصين، من عصور السونغ إلى المينغ، تكشف عالمًا بحريًا لا يمكن فيه فصل الفارسي عن العربي بسهولة. فالمصادر الصينية تتحدث عن “بوسي” و“داشي”، وتخلط أحيانًا بين أصول جغرافية وثقافية متعددة. لكن هذا الالتباس نفسه دالّ: الخليج كان فضاء تداخل، لا خطًا فاصلًا. الفرس والعرب والهنود والصينيون لم يتحركوا في عوالم نقية، بل في منطقة تبادل مستمر. ومن هنا تأتي أهمية هرمز وسيراف وغيرهما من الموانئ: لم تكن مجرد نقاط على الخريطة، بل مفاصل في جغرافيا اقتصادية ولغوية واسعة.
تتضح هذه الجغرافيا أيضًا في فصل المالديف. هنا ينتقل النقاش من التجارة إلى الإسلامنة. الرواية الأشهر، كما نقلها ابن بطوطة، تنسب إسلام المالديف إلى أبي البركات البربري المغربي. لكن ثمة تقليدًا آخر يربط التحول بشيخ من تبريز. قوة هذا الفصل لا تكمن في المفاضلة السردية فقط، بل في الدليل اللغوي: مفردات دينية مالديفية أساسية تبدو ذات أصل فارسي. الصلاة، الصوم، النبي، المسجد؛ ليست مجرد كلمات، بل آثار مسارات. حين تدخل المفردة، تدخل معها شبكة تعليم وطقوس وسلطة دينية. وهنا يصبح السؤال عن إسلام المالديف سؤالًا عن قنوات الترجمة، لا عن لحظة اعتناق فقط.
الأكثر لفتًا أن الكتاب يربط المحيط الهندي بخراسان، وهي منطقة داخلية لا تبدو بحرية للوهلة الأولى. لكن أندرو بيكوك يبيّن أن الداخل والبحر كانا متصلين عبر التجارة والمذاهب والناس. بايكند وبخارى والسغديون والودع والمرجان القادم من المحيط الهندي كلها شواهد على أن الصحراء والبحر لا يتعارضان، بل يتكاملان. فالتاجر الخراساني قد لا يعيش على الساحل، لكنه جزء من اقتصاد الساحل. والفقيه أو المتكلم القادم من بيئة ماتريدية حنفية قد يترك أثرًا في جنوب شرق آسيا. بهذا المعنى، لا يعود المحيط الهندي شريطًا ساحليًا فقط، بل شبكة تصل الداخل الآسيوي بأبعد الموانئ.
لكن الكتاب لا يتوقف عند البضائع والطرق. إنه يدخل أيضًا في عالم المخيلة الدينية. من أكثر فصوله إثارة ذلك الذي يتناول حضور الآلهة الهندية في النصوص الفارسية والعربية والأردية. المعتاد أن نفترض أن الكاتب المسلم في العصور الوسطى أو المبكرة سيختزل آلهة الهند إلى أصنام أو أوهام. غير أن الواقع، كما يعرضه الكتاب، أكثر تعقيدًا. بعض المؤلفين حاولوا فهم هذه الآلهة، تصنيفها، تأويلها، أو إدخالها في منظومات فكرية إسلامية عبر المجاز والملائكة والروحانيات. كريشنا، شيفا، رودرا، وسواهم لا يظهرون فقط كموضوع إنكار، بل كموضوع ترجمة. وهذا يفتح بابًا مهمًا: الفارسياتية لم تكن مجرد أداة هيمنة ثقافية، بل أحيانًا مختبرًا لتدبير الاختلاف الديني.
وفي الملايو، تتحول الفارسياتية إلى تقنية شرعية. روايات اعتناق الملوك الإسلام، كما في حكاية راجا باساي، تمتلئ بالأحلام والرؤى والكرامات وقدوم رجل مقدس من الغرب. القراءة الوضعية القديمة كانت تميل إلى إبعاد هذه العناصر بوصفها “أسطورية”. لكن الكتاب يعيد الاعتبار إلى وظيفتها. فالأسطورة هنا ليست نقيض التاريخ، بل جزء من عمل السياسة. إنها تجعل الحاكم المحلي متصلًا بالمركز الإسلامي، وتحوّل الأطراف البعيدة إلى امتداد رمزي لمكة أو للغرب الإسلامي أو لعوالم الصوفية. بهذا المعنى، كان الخيال وسيلة لإنتاج الجغرافيا السياسية: الممالك البعيدة لا تريد أن تبقى هامشًا، فتخترع لنفسها نسبًا إلى المركز.
وفي جزر إندونيسيا الشرقية وبابوا، تظهر “طيور الجنة” في نص فارسي بوصفها أكثر من كائنات عجيبة. فهي في المخيال الأوروبي موضوع دهشة وغرابة، لكن في النص الفارسي تتحول إلى أداة وعظ سياسي وأخلاقي. جمال الطائر لا يبقى جمالًا طبيعيًا فحسب، بل يصبح بابًا للكلام عن الرعية والملك، والولاء والنظام، والخلق الإلهي بوصفه مرآة للسياسة. هذا التحويل بالغ الدلالة: العالم الفارسياتي لا يستقبل غرائب المحيط الهندي كعجائب صامتة، بل يعيد إدخالها في تقاليده الأخلاقية والسلطانية.
ويمضي الكتاب أبعد في تتبع المخطوطات والشبكات الشيعية الفارسية في جنوب شرق آسيا. فمخطوط شيعي فارسي دار بين باتنا وداكا وبورما وسيام في القرن السابع عشر يكشف أن الوجود الفارسي هناك لم يكن سنيًا أو صوفيًا فقط، بل حمل أيضًا بعدًا شيعيًا. هذه نقطة مهمة، لأنها تكسر الصورة المتجانسة عن إسلام المحيط الهندي. فالمحيط لم يكن طريقًا للإسلام الشافعي أو الصوفي وحده، بل كان أيضًا ساحة تنافس مذهبي وذاكرة نصية ورسائل وشعر وحكايات. المخطوط هنا سفينة بالفعل: يحمل نصوصًا وأسماء ورحلات ومذاهب.
أما فصل ميرزا محمد فياض فيعيد المسألة كلها إلى الفرد. دفتر هذا التاجر والأديب الإيراني، الذي تنقل بين إيران والهند وموانئ مثل سورات وماسوليباتنام، يبيّن أن الفارسياتية لم تكن بنية فوقية كبرى فقط، بل ممارسة شخصية. يكتب الإنسان بالفارسية حين يريد أن يتصل بشبكة أدبية، وبالعربية حين يدخل أفقًا علميًا أو دينيًا آخر، ويتحرك بين اللغتين بحسب المقام والجماعة والرحلة. هنا تسقط فكرة المركز الواحد والأطراف الصامتة. الفارسياتي ليس إمبراطورية لغوية متجانسة، بل أفراد متعددو اللغات يختارون، يقتبسون، يدوّنون، ويصنعون شبكاتهم في الطريق.
ويبلغ الكتاب ذروة بصرية وفكرية في فصل أثر قدم آدم في سريلانكا ومخطوط العجائب المحفوظ في سانت أندروز. سرنديب، أو سريلانكا، تظهر في المخيال الإسلامي مكانًا لهبوط آدم، حيث يختلط الجغرافي بالنبوي، والطبيعي بالعجائبي. المخطوط المصور، غير المكتمل في بعض صفحاته، يصبح استعارة للأرشيف المحيطي نفسه: نرى دوامة، وحشًا بحريًا، بحر الهند، جزرًا، مساحات لم تكتمل. كأن المحيط الهندي لا يُعطى لنا كموضوع مكتمل، بل كأفق ناقص يحتاج إلى قراءة بين النص والصورة والفراغ. واللافت أن هذا يحدث على عتبة الحداثة والاستعمار، حين بدأت النزعة الأوروبية العقلانية تسعى إلى إسكات “العجب” أو تحويله إلى فولكلور. الفصل يدافع ضمنيًا عن العجب بوصفه طريقة معرفة، لا مجرد خرافة.
ثم يأتي فصل سيد سليمان الندوي ليطرح مفارقة من نوع آخر. لدينا كتاب أردي عن ملاحة العرب في المحيط الهندي، مكتوب بلغة ذات ميراث فارسياتي واضح، لكنه يعيد توجيه الذاكرة الإسلامية نحو العربية لا الفارسية. الندوي، وهو من أبرز مؤرخي المسلمين في الهند في النصف الأول من القرن العشرين، كان يرد على التأريخ الاستعماري الأوروبي، لكنه في الوقت نفسه كان ينتقد التراث الفارسي الهندي ويبحث عن أصل عربي أكثر نقاءً أو أكثر موثوقية. هنا يظهر أن الفارسياتية لم تكن دائمًا محل احتفاء؛ أحيانًا كانت موضوع رفض من داخل لغاتها نفسها. فاللغة الأردية تحمل أثر الفارسية، لكن الذاكرة التي يبنيها الندوي تريد أن تكون عربية.
ويختم الكتاب بمنفى رضا شاه في موريشيوس بعد الغزو البريطاني-السوفياتي لإيران عام 1941. هذه الخاتمة تبدو لأول وهلة بعيدة عن فصول التجارة والمخطوطات والجرار، لكنها في الحقيقة تكمل المسار. فالمحيط الهندي لم يكن فقط فضاء تبادل قديم، بل أصبح أيضًا فضاء إمبراطوريًا للسيطرة والنفي. رضا شاه يغادر بندر عباس معتقدًا أنه ذاهب إلى أميركا الجنوبية، ثم يُبلّغ في بومباي أن وجهته موريشيوس. البحر هنا لم يعد مجال مبادرة إيرانية، بل ممرًا قسريًا داخل هندسة الإمبراطورية البريطانية. إنها نهاية حديثة ومرة: إيران التي أبحرت تاجرًا ومثقفًا ومخطوطًا، تُبحر الآن ملكًا مخلوعًا ومنفيًا.
قيمة الكتاب الكبرى أنه يعيد تركيب ثلاث خرائط في وقت واحد: خريطة إيران، وخريطة الفارسياتية، وخريطة المحيط الهندي. إيران لا تظهر فيه كدولة محصورة في الجغرافيا المعروفة، بل كحضور متشعب في البحر. والفارسياتية لا تظهر كأدب بلاطي فقط، بل كأثر مادي ولغوي ومذهبي وتخيلي. أما المحيط الهندي فلا يعود مجرد مسرح للتجارة العربية أو الاكتشاف الأوروبي أو الطرق الهندية، بل فضاء تتقاطع فيه خراسان وسيراف وشيراز وهرمز وبخارى وسورات والملايو وسريلانكا وشرق أفريقيا.
إنه كتاب ضد الخرائط الضيقة. يعلّمنا أن البحر لا ينقل البضائع وحدها، بل ينقل طرق التفكير. وأن اللغة لا تعيش فقط في الكتب، بل في الموانئ والدفاتر والجرار والأسماء والأساطير. وأن الهوية، حين تدخل المحيط، تفقد صلابتها الأولى وتصبح شبكة: أحيانًا فارسية، أحيانًا عربية، أحيانًا هندية، أحيانًا سواحلية أو ملايوية، لكنها في كل الأحوال وليدة حركة لا وليدة عزلة.
بهذا المعنى، لا يضيف الكتاب فصلًا بحريًا إلى تاريخ إيران فحسب، بل يقترح طريقة أخرى لقراءة التاريخ نفسه. فالعوالم لا تصنعها العواصم وحدها. تصنعها المرافئ أيضًا. وتصنعها الشقفات الصغيرة التي تحمل اسم تاجر، والمخطوطات التي عبرت من ميناء إلى آخر، والروايات التي جعلت مدينة أفريقية تنتسب إلى شيراز، واللغة التي تركت أثرها في صلاة جزيرة بعيدة، والملك المخلوع الذي انتهى به المطاف في جزيرة منفية. في كل ذلك، تظهر إيران لا كبرّ مغلق، بل كأثر ممتد في الماء.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com