في مؤشر صارخ على عجز المنظومات العسكرية الإسرائيلية، لجأت القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان إلى إقامة حقول ضخمة من الشباك الحديدية البدائية، في محاولة يائسة لاحتواء مسيّرات المقاومة التي تمكنت من تعطيل قدرات الحرب الإلكترونية التي طالما تباهى بها الاحتلال.
في خطوة تعكس حجم المأزق الذي يعيشه الجيش الإسرائيلي أمام مسيّرات المقاومة، شرعت القوات الإسرائيلية خلال الأسابيع الماضية في نشر ما يقارب 158 ألف متر مربع من الشباك السلكية القاسية حول مواقعها العسكرية في جنوب لبنان، مع خطط لرفع نطاق التغطية عبر إضافة 188 ألف متر مربع خلال الفترة المقبلة.
هذه التقنية، التي تعود جذورها إلى العصور الوسطى، تأتي بعد سلسلة طويلة من الضربات الدقيقة التي نفذتها مسيّرات حزب الله ضد المواقع الإسرائيلية المحصّنة، ما تسبب بخسائر متلاحقة لقوات الاحتلال، وأظهر هشاشة ما تسميه تل أبيب «التفوق الإلكتروني» الذي تفتخر به.
وتقدّم المنظومات الناقلة عبر الألياف الضوئية (Fiber Optics) تحدياً غير مسبوق لـ “إسرائيل”، إذ تعتمد هذه المسيّرات على توجيه مباشر عبر كابل ضوئي يجعلها محصّنة بالكامل أمام التشويش والحرب السيبرانية، ما يفسر حالة الارتباك المتزايد لدى منظومات الجيش الإسرائيلي، واضطراره إلى حلول فيزيائية مكشوفة تفتقر لأي ابتكار حديث.
ورغم الجهود التي يبذلها الاحتلال لتقديم هذه الشباك كحاجز وقائي، تشير المعطيات التقنية إلى أنها لن تشكل أكثر من عائق مؤقت لعدة أسباب:

1️⃣ سهولة استهدافها: كونها أجساماً ثابتة ومرئية، يمكن ضربها بقذائف تقليدية لفتح ثغرات واسعة.
2️⃣ تبدل تكتيكات المقاومة: المسيّرات تعمل بنظام الموجات المتتابعة، حيث تفتح مسيّرة أولى الثغرة، وتعبر الثانية مباشرة نحو الهدف.
3️⃣ فجوة الكلفة: بينما تصرف “إسرائيل” والولايات المتحدة مليارات الدولارات يومياً على تطوير منظومات دفاعية متقدمة، ينجح حزب الله في إسقاط هذه المنظومات بطائرات لا تتجاوز قيمتها بضع دولارات، ما يطرح أسئلة كبيرة حول مصير أموال دافعي الضرائب التي تُهدر بلا جدوى.
وليس الاحتلال الإسرائيلي وحده من يعاني هذا الإرباك، فقد كشفت بريطانيا مؤخراً عن سعيها لتجربة “سلاح منخفض الكلفة” وفق ما ادعت، لمواجهة المسيّرات الإيرانية في مضيق هرمز، في محاولة مشابهة لموازنة التفوق الذي فرضته تكنولوجيا الطائرات الصغيرة على القوى الكبرى.
في المحصلة، تبدو الشباك الحديدية التي ينشرها الجيش الإسرائيلي اليوم انعكاساً لمعادلة جديدة في المنطقة:
أنظمة دفاعية بمليارات الدولارات… تنهار أمام طائرة صغيرة تحمل كاميرا وسلكاً ضوئياً.
شهدت جبهات القتال خلال العامين الأخيرين تحوّلاً جذرياً في طبيعة الاشتباك، مع دخول مسيّرات FPV الإيرانية واللبنانية إلى الميدان بخوارزميات دقيقة وتكلفة منخفضة، ما أجبر جيوشاً كبرى — بينها “إسرائيل” وبريطانيا — على البحث عن حلول بدائية أو مؤقتة لتعويض فشل أنظمتها الإلكترونية.
وتواصل هذه التطورات إعادة رسم ميزان الردع في الشرق الأوسط، مؤذنة بمرحلة من التفوق الرخيص والفعال على المنظومات الثقيلة عالية الكلفة.
