خاص مركز بيروت للأخبار
م.مصطفى زين العابدين
تتجاوز الصراعات الجيو سياسية التي تعصف بالشرق الأوسط منذ مطلع الألفية الثالثة، وما رافقها من “زلازل” سياسية أُطلق عليها زوراً “الربيع العربي”، مفاهيم الصراع التقليدي على الموارد أو الحدود.
إننا أمام مشهد إبادي يتشكل في رحم “الجغرافيا السياسية المقدسة“، حيث تلتقي الأطماع الإمبراطورية الأمريكية بالعقائد اللاهوتية الصهيونية لتنتج “لاهوت الاستحواذ”.
هذا المشروع ليس نتاج قرارات سياسية باردة، بل هو تنفيذ لجدول زمني “ميسيانيكي” (خلاصي) يهدف إلى نسف الدولة المركزية العربية وتدمير “رأس الأفعى” في العقلية الصهيونية وهم يقصدون (إيران)، تمهيداً لقيام “النظام العالمي الجديد” على أنقاض الهويات القومية والدينية.
الجذور الاستئصالية.. من “القدس الجديدة” إلى “إبادة عماليق”
لا يمكن فهم العقلية التي تُدير واشنطن وتل أبيب اليوم دون العودة إلى اللحظة التأسيسية للولايات المتحدة. إذ قامت “الدولة العظمى” على جماجم ما يقرب من 120 مليون إنسان من السكان الأصليين.
لم يكن هذا القتل العشوائي مجرد “جانب مظلم” من التاريخ، بل كان فعلاً لاهوتياً بامتياز. حمله المهاجرون الأوائل (البيوريتان/التطهيريون) بما أسموه عقيدة “القدر المتجلي” (Manifest Destiny)، معتبرين أنفسهم “شعب الله المختار الجديد” الذي يقوده الرب إلى “كنعان الجديدة” (أمريكا).
وهنا، استُخدم “سفر يشوع” كدليل عسكري، أسقطوه لجذب العدد الأكبر من الداعمين وتأمين الحواضن لـ “المشروع الإلهي”، فالهنود الحمر هم “عماليق” ممن يجب محو ذكرهم لتطهير الأرض.
هذا اللاهوت الاستئصالي هو ذاته الذي يستدعيه بنيامين نتنياهو اليوم في غزة، محولاً الفلسطينيين والإيرانيين إلى “عماليق” معاصرين. متبعاً بذلك “عقيدة الإزاحة” المادية، حيث لا مكان للآخر إلا كـ “دنس” يجب تطهيره، وهو ما وثقته غريس هالسل في كتابها “يد الله”، كاشفةً أن النخبة الأمريكية لا تخدم مصالح واشنطن، بل تخدم “نبوءة” تقتضي تمكين “إسرائيل” كشرط لعودة المسيح (عليه السلام). وهي تخلص في كتابها إلى أن تحويل السياسة إلى “مهمة إلهية” يجعل القرارات أقل خضوعاً للنقاش السياسي وأكثر ارتباطاً باليقين الديني، ما قد يعقّد الصراعات بدل حلّها.
“عقيدة القتل” والنزعة القومية المسيحية المتطرفة
في قراءة تحليلية لما ذكره الكاتب سايمون تسدال، نجد أن “النزعة القومية المسيحية الإنجيلية” قد تحولت إلى دين الدولة غير المعلن في أمريكا.
إن صلوات وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في البنتاغون، ودعوته لممارسة “عنف مفرط ضد أولئك الذين لا يستحقون الرحمة” (في إشارة لإيران)، ليست مجرد زلة لسان، بل هي إعلان عن سقوط “الجانب الأخلاقي” للنظام العالمي.
ورغم سخرية كثيرين من الرجل وهو يردد عبارات انتقام وغضب من فيلم بالب فيكشن على أنها آيات من الكتاب المقدس إلا أنه أكد بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا علاقة له بالدين، بل يستخدمه لتبرير “عقيدة القتل” الصرف.
وهنا، يعمل السياسيون و الإعلاميون الأمريكيون على تجريد الإيرانيين من إنسانيتهم ووصفهم بـ “المتعصبين”، بينما يمارس المحرضون “تطرفاً لاهوتياً” يبرر قصف الدول لإعادتها إلى العصور الحجرية.
هذا التوظيف للسلاح الديني يهدف إلى “شيطنة” الآخر لتهيئة الرأي العام العالمي لتقبل “المحرقة القادمة”.
ورغم غضب البابا لاون الرابع عشر ورفضه لاستخدام المسيح لتبرير الحرب مستشهداً بسفر إشعياء “أيديكم ملآنة دماً”، إلا أن التحالف الصهيوني-الإنجيلي يتجاوز الفاتيكان، ويصر على أن “هرمجدون” تمر عبر طهران، وأن القانون الدولي ما هو إلا قيد يجب كسره للوصول إلى “المعركة النهائية”.
“الفوضى الخلاقة” وتفكيك المصدات الجيوسياسية
إن ما شهدته العواصم العربية (بغداد، دمشق، طرابلس، صنعاء) من دمار ليس مصادفة، بل هو تطبيق لـ نظرية “التحطيم والفرز” التي هندسها برنارد لويس وأيدها صموئيل هنتنغتون في “صدام الحضارات”.
كان الغرض الاستراتيجي هو “نسف مفهوم الدولة المركزية”، فالعراق كان يمثل “بابل” التي تثير الرعب في الذاكرة التوراتية، وسورية هي “العمق الحيوي” للمقاومة، وبإسقاطها، انفتحت الطريق أمام “الاستحواذ العالمي”.
وهنا يطالعنا دور “الأمم المتحدة” التي تحولت إلى أداة لـ “الهيمنة المؤسساتية”، إنها المنظمة التي لا تجيد سوى “الإعراب عن القلق” لتغطية حروب الإبادة، مما يمنح المعتدي وقتاً كافياً لإتمام مهمته، ويحول المظلوم إلى “ممتثل” لقانون القوة تحت ستار “القانون الدولي”.
لماذا يرتعد “اللاهوت الصهيوني” من الجغرافيا الإيرانية؟
تتجاوز المقاربة الصهيونية لإيران حدود الصراع التقليدي على النفوذ الإقليمي أو الطموح النووي، لتستقر في عمق “الرهاب اللاهوتي” من مفهوم الاستبدال الكوني. ففي العقلية الصهيونية العالمية، لا تُمثّل طهران مجرد خصم جيوسياسي، بل هي “التهديد الميتافيزيقي” الوحيد الذي يمتلك القدرة على نقض سردية “الاصطفاء” عبر تجسيد “بأس” تاريخي مناوئ.
إن الرعب الحقيقي الذي يستبد بمراكز الفكر اللاهوتي في تل أبيب وواشنطن لا ينبع من الرؤوس الحربية، بل من تجليات “سنة الاستبدال“ التي قررها القرآن الكريم في قوله: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].
إن دوائر الاستشراق التلمودي التي تفكك النصوص الإسلامية بعناية، تقف طويلاً أمام المشهد النبوي التأسيسي؛ حين سُئل الرسول (ص) عن هؤلاء “المستبدلين”، فأشار بيده إلى سلمان الفارسي قائلاً: “هذا وقومه.. والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لناله رجال من فارس”.
هذا النص، الذي يربط بين الذروة الإيمانية والبأس الفارسي، يمثل “الكابوس الاستراتيجي” للصهيونية، إذ يخشون لحظة انتقال “راية الفعل والجهاد” من حواضن عربية غرفت في رمال الاستهلاك والبذخ، إلى حاضنة “فارسية” تمتلك لاهوتاً مقاوماً وقدرة على الصبر الاستراتيجي الطويل.
ومن هنا، يُفهم المنهج “السيكولوجي” المتبع في شيطنة إيران وعزلها، فالغرض ليس حماية العرب، بل منع تلاقح “البأس الفارسي” مع “العمق الجغرافي العربي”. لهذا إن استراتيجية “الشيطنة الممنهجة” تهدف إلى دفع العقل العربي لتبني خطاب الكراهية والنبذ تجاه طهران، لضمان بقاء الجبهة الشرقية ممزقة، مما يمنع تشكل كتلة تاريخية صلبة قادرة على تحطيم نبوءة “إسرائيل الكبرى”.
وفي سياق الرموز العبرية الدينية، تبرز أسماء “شبر وشبير” (المقابلة للحسن والحسين في الوجدان الإسلامي) كأيقونات للثورة الرافضة للمساومة. وهي رموز روحية تتبناها إيران ومحيطها المقاوم، لتلاحق العقلية الصهيونية بوصفها قوة “غير قابلة للتدجين”. وبناءً عليه، يتحول تدمير إيران في الأجندة الصهيونية من “خيار سياسي” إلى “ضرورة وجودية لاهوتية”، ففي عرفهم، لا يمكن بناء “الهيكل الثالث” وضمان السيادة الألفية إلا بسحق هذه القوة التي تُبشر بـ “الاستبدال” العظيم وتُهدد بجعل النبوءات الصهيونية مجرد أطلال في مهب التاريخ.
تحويل الثروات السيادية إلى أصول هيكلية
تتأسس الرؤية الصهيونية لإعادة هندسة الشرق الأوسط على قاعدة “أنطولوجية” (وجودية) مستمدة من التفسيرات المتطرفة للفلسفة التلمودية، التي تصنف الأغيار (Gentiles) أو ما يُعرف بـ “الجوييم” في مرتبة وظيفية أدنى، بوصفهم مجرد “طاقات خدمية” مسخرة لإتمام بناء السيادة الألفية “للشعب المختار”.
وهنا، تتحول الاستثمارات الكبرى والمشاريع العابرة للحدود، تحت مسميات “المدن الذكية” و”النيوم” و”الانفتاح الترفيهي”، من كونها محركات تنموية إلى أدوات “هندسة اجتماعية وتدجين ثقافي”.
إن الهدف الاستراتيجي الكامن وراء هذه المشاريع هو إحداث عملية “تهجين” للأجيال القادمة، لتفريغها من كينونتها المقاتلة وهويتها العقائدية، وتحويلها إلى مجرد “وحدات استهلاكية” تعيش في حالة من الارتهان المعيشي المطلق. العملية برمتها تبدو عملية تحويل جذري من مجتمعات تمتلك “قرارها الإنتاجي” إلى عمالة تقنية تعمل لضمان بقائها البيولوجي فقط، وهو ما يعزز نظام العبودية الحديثة الذي تقوده مراكز القوة في واشنطن وتل أبيب.
وهنا تبرز نبوءة “ثعلب السياسة” هنري كيسنجر كتحذير استراتيجي، حيث أشار إلى أن كلفة الصراع القادم قد تبلغ ملايين الأرواح، ليس كأثر جانبي للحرب، بل كضرورة لإفراغ المنطقة من “سيادتها المالية” واستنزاف فوائضها النفطية لتحويلها إلى “رأس مال هيكلي” يخدم بناء المركزية الصهيونية العالمية.
إن العرب الذين ينخرطون اليوم في شيطنة المصدات الإقليمية (إيران تحديداً) سيستيقظون على واقع مرير: أن أرصدتهم وبذخهم لم تكن سوى “ودائع مؤقتة” لدى كيانات تنتظر لحظة “التصفية الجسدية والمالية” الشاملة.
الاستسلام الشامل أو “ديانة السجن العالمي”
وبعد كل ذلك، بات جليّاً أن الغرض النهائي من متوالية التدمير التي بدأت بإسقاط الأنظمة المركزية وصولاً إلى محاولة كسر الإرادة الإيرانية، هو الوصول إلى حالة “الاستسلام الشامل”. وهو مشروع لا يكتفي بالسيطرة العسكرية، بل يسعى لمحو الأديان والقيم الوطنية لإحلال “ديانة عالمية جديدة” تقودها النخبة التكنولوجية والمالية، حيث يُعتبر استهداف إيران هو “المفتاح الجيوسياسي” لإغلاق هذا السجن العالمي الكبير.
وعليه، فإن ما نشهده اليوم، ليس “صراع مصالح” قابل للتفاوض، بل هو “جنون عقائدي لاهوتي” يتغذى على تفكيك الآخر. ولأن التاريخ، بمنطقه الصارم، لا يمنح الضعفاء حق البقاء، والقوانين الدولية ليست سوى “أدوات تخدير” وظيفية لتسهيل عملية الذبح. تبدو المنطقة اليوم أمام خيارين وجوديين: إما اجتراح “نهضة وعي استراتيجي” عابرة للحدود، توحد القوى العقائدية الصلبة في مواجهة هذا الاستلاب، أو الرضوخ للمصير المحتوم في “مزرعة الجوييم” الصهيونية.
المؤكد أن السكين بلغت مداها، ولم يعد ثمة متسع للمناورة، فالهيكل لا ينتظر سوى اكتمال طقوس الدم، والصمت في هذه اللحظة ليس حياداً، بل هو مساهمة فعلية في “الذبح الأخير”، فهل من مذّكر؟
