منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة والتوجّه نحو مفاوضات مباشرة في إسلام آباد، بدا واضحاً أن إسرائيل وجدت نفسها في موقع الخاسر الأول، بعد فشل رهاناتها على إضعاف طهران أو إسقاطها، وكذلك عجزها عن كسر معادلة الردع التي فرضتها قوى المقاومة في المنطقة.

هذا الواقع انعكس سريعاً في ردود الفعل داخل الإعلام الإسرائيلي، حيث برزت حالة غضب واضحة من الإدارة الأميركية بسبب فرض الهدنة من دون تنسيق مسبق، في مؤشر على حجم التباين بين الحليفين. وفي موازاة ذلك، بدأت تسريبات مبكرة تتحدث عن أن الاتفاق لا يشمل لبنان، ما اعتُبر تمهيداً لفصل الساحة اللبنانية عن مسار التهدئة، أو حتى تقويض الاتفاق برمّته.

وبالفعل، لم تمضِ ساعات حتى شنّت الطائرات الإسرائيلية واحدة من أعنف الهجمات على العاصمة بيروت منذ عقود، مستهدفة أحياء مكتظة مثل المزرعة، البسطة، تلة الخياط والروشة، إلى جانب الضاحية الجنوبية ومناطق في الجبل والبقاع والجنوب. وقد أدّت هذه الغارات إلى سقوط عدد كبير من الضحايا بين المدنيين، وسط حالة هلع واسعة وتوقف الحركة في شوارع العاصمة نتيجة كثافة سيارات الإسعاف، فيما امتلأت المستشفيات بالمصابين.

وحاولت الرواية الإسرائيلية تسويق هذه الضربات على أنها “إنجازات أمنية”، عبر الحديث عن استهداف قيادات في حزب الله واختراق بنيته، إلا أن حجم الدمار والخسائر البشرية طغى على هذه الادعاءات، وكرّس صورة المجازر بحق المدنيين.

التصعيد الإسرائيلي وضع اتفاق وقف إطلاق النار أمام اختبار حقيقي، خاصة مع تضارب المواقف حول شموله لبنان. ففي حين أكدت طهران والوسيط الباكستاني أن الاتفاق يشمل جميع الجبهات، سارعت واشنطن إلى نفي ذلك. وصرّح نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، بأن لبنان لم يكن جزءاً من التفاهم، معتبراً أن أي ربط بين الجبهتين قد يهدد مسار المفاوضات.

وفي السياق نفسه، تنصّل الرئيس الأميركي من شمول لبنان بالهدنة، واعتبر أن المواجهة بين إسرائيل وحزب الله هي صراع منفصل، رغم إعلان الجانب الباكستاني أن وقف إطلاق النار يشمل المنطقة بأكملها.

في المقابل، ردّت إيران على التصعيد بإعادة إغلاق مضيق هرمز بشكل شبه كامل، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية كبيرة، ووجّهت تهديدات برد قاسٍ على الهجمات الإسرائيلية، مؤكدة أن لبنان كان جزءاً من التفاهم وأن واشنطن خرقت بنوده.

على المستوى الداخلي، أدان حزب الله الهجمات الإسرائيلية، معتبراً أنها تعبير عن فشل العدو في تحقيق أهدافه، ومؤكداً التمسك بحق الرد ومواصلة المواجهة دفاعاً عن لبنان.

أما على الصعيد الرسمي اللبناني، فقد برزت مواقف أثارت جدلاً واسعاً، إذ ركّزت الحكومة على مسألة حصرية التفاوض عبر الدولة، متجنّبة الانخراط المباشر في الضغط لوقف العدوان. كما شدّد رئيس الجمهورية على الالتزام بالمسار التفاوضي وبسط سلطة الدولة، في وقت كانت فيه الغارات مستمرة والضحايا يتساقطون، ما اعتبره منتقدون تقصيراً في مواجهة التصعيد.

في المحصلة، كشف “الأربعاء الدموي” هشاشة الهدنة وحدودها، وأظهر أن مسار التفاوض لا يزال مهدداً بالانهيار في أي لحظة، في ظل استمرار التصعيد العسكري وتضارب الحسابات الإقليمية والدولية.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com