تتشكل الصراعات بين الدول عادةً على أساس المصالح والحدود والنفوذ، لكن بعضها يتجاوز هذه العوامل ليصبح صراعًا بنيويًا عميقًا يرتبط بالهوية والرؤية والمصير. في هذا السياق، يُطرح الصراع بين لبنان و اسرائيل بوصفه نموذجًا لصراع وجودي، يتخطى الحسابات السياسية التقليدية إلى مستوى التناقض الجذري بين نموذجين متعارضين.

تستحضر هذه المقاربة مفهوم «خطوط الصدع» الذي قدّمه صموئيل هنتنغتون في نظريته حول صدام الحضارات، حيث تنشأ النزاعات عند نقاط التماس بين هويات وثقافات مختلفة. إلا أن استخدام هذا المفهوم هنا لا يقتصر على البعد الحضاري الكلاسيكي، بل يتوسع ليشمل صدعًا هوياتيًا وثقافيًا عميقًا يفصل بين مشروعين متناقضين في جوهرهما.

يُقدَّم لبنان، في هذه الرؤية، كحالة فريدة قائمة على التعددية والتعايش، وهو ما عبّر عنه Musa al-Sadr بقوله إن لبنان «ضرورة حضارية» ونموذج إنساني يتجاوز حدوده الجغرافية. فالتنوع الديني والمذهبي والفكري فيه ليس مجرد واقع اجتماعي، بل يشكّل أساس هويته ودوره.

في المقابل، يُنظر إلى «إسرائيل» باعتبارها كيانًا يقوم على أسس دينية–قومية ضيقة، تتجه نحو مزيد من التشدد، وهو ما يتجلى في سياساتها الداخلية وتشريعاتها، خاصة في ظل حكومات يمينية متطرفة بقيادة Benjamin Netanyahu، التي تعكس تحولات أعمق في المجتمع الإسرائيلي نحو الانغلاق والتطرف.

ولا يقتصر التوتر بين الطرفين على هذا التناقض الفكري، بل يتعزز بسجل طويل من الصراعات والاعتداءات المرتبطة بالأرض والسيادة والموارد، ما يضع العلاقة ضمن منطق الصراع التقليدي أيضًا. غير أن العامل الحاسم، وفق هذه القراءة، يبقى في الطبيعة البنيوية لهذا التناقض، حيث يتصادم نموذج التعددية والانفتاح مع نموذج الإقصاء والانغلاق.

انطلاقًا من ذلك، يُطرح سؤال التعايش كإشكالية جوهرية: هل يمكن لنموذجين متناقضين إلى هذا الحد أن يتقاسما مساحة مشتركة؟ الإجابة التي تقدمها هذه المقاربة تميل إلى النفي، معتبرة أن «خط الصدع» بينهما ليس قابلًا للردم، وأن حالة العداء تبدو نتيجة طبيعية لهذا التناقض.

وتزداد خطورة هذا الواقع مع وجود انقسامات داخلية في لبنان، حيث تبرز تيارات تدفع نحو مشاريع تقسيمية أو فدرالية على أسس طائفية، ما يهدد جوهر النموذج اللبناني نفسه، ويضعف قدرته على مواجهة التحديات الخارجية.

في المحصلة، لا يُختزل الصراع بين لبنان و«إسرائيل» في نزاع حدودي أو سياسي عابر، بل يتجلى كصراع عميق بين رؤيتين متناقضتين للهوية والمجتمع. وهو ما يحمّل اللبنانيين مسؤولية مضاعفة، لا تقتصر على حماية الأرض، بل تمتد إلى الحفاظ على نموذج التعايش، باعتباره الركيزة الأساسية لبقاء لبنان واستمراره.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com