خاص مركز بيروت للأخبار

في قلب العقيدة العسكرية للولايات المتحدة، يقف نظام “ديفكون” كأحد أكثر الأنظمة حساسية وتأثيراً في بنية الأمن القومي الأمريكي، فهو المؤشر الفعلي الذي يقرر درجة استعداد الجيش لأي تهديد، وصولاً إلى اللحظة التي يُسمح فيها باستخدام السلاح النووي. وبينما يبقى تصنيف المستويات سرياً في معظم الأوقات، تكشف الوثائق أن هذا النظام شكّل خلال العقود الماضية صمام الأمان الذي يضبط التوترات الكبرى ويمنع الانزلاق نحو حرب شاملة.

ما هو نظام ديفكون؟

يمثل ديفكون النظام الأمني والعسكري الأساسي في الولايات المتحدة لتحديد درجة التأهب الحربي، وهو الأداة التي تضمن تنسيق الاستجابة بين مختلف فروع القوات المسلحة وفق طبيعة التهديد، سواء كان تهديداً تقليدياً أو نووياً.

ويهدف إلى توحيد مستوى الجاهزية، وتنظيم الإجراءات العملياتية بما يسمح بالتصرف بسرعة وكفاءة. ويملك الرئيس الأمريكي، بالتنسيق مع وزارة الحرب ورئاسة الأركان المشتركة، صلاحية تحديد المستوى المناسب من ديفكون تبعاً للتقديرات الاستخباراتية ودرجة خطورة الوضع الأمني.

تعود جذور هذا النظام إلى عام ١٩٥٩، حين جرى اعتماده رسمياً في أجواء الحرب الباردة وتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. وقد جاء تصميمه لتوفير آلية موحّدة لتقدير خطورة التهديدات العسكرية وتنظيم نشر القوات بشكل متدرّج ومدروس، بما يسمح بإدارة الأزمات الكبرى ومنع اتخاذ قرارات متسرعة. ومع الوقت، تطور ديفكون ليصبح أحد أعمدة العقيدة الدفاعية الأمريكية، وخاصة في التعامل مع التهديدات النووية.

أهمية ديفكون في منظومة الأمن القومي

يمثل ديفكون حجر الزاوية في إدارة المخاطر العسكرية لدى الولايات المتحدة، فهو الذي يسمح برفع مستوى الجاهزية تدريجياً وفق مستوى التوتر، من دون أن يؤدي ذلك إلى تصعيد غير محسوب. كما يوفر للقيادة الأمريكية القدرة على التحرك السريع، والتعامل مع السيناريوهات غير المتوقعة، وحماية المصالح القومية للبلاد وحلفائها.

ويمتد تأثير النظام ليشكل جزءاً من آليات الردع الإستراتيجي، التي تعتمد عليها واشنطن للحفاظ على الاستقرار الدولي ومنع اندلاع مواجهة نووية.

لمحة تاريخية عن حالات رفع مستوى ديفكون

رغم السرية التي تحيط بعمله، تكشف الوثائق المفرج عنها أن الولايات المتحدة رفعت مستوى ديفكون إلى المرحلة الثانية مرتين فقط منذ تأسيسه. كانت المرة الأولى خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام ١٩٦٢، حين كان العالم قريباً من حرب نووية. أما المرة الثانية فكانت أثناء حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١.

كما شهد التاريخ محطات رفعت فيها واشنطن ديفكون إلى المستوى الثالث، أبرزها حرب أكتوبر عام ١٩٧٣، ثم هجمات الحادي عشر من أيلول عام ٢٠٠١ التي دفعت البلاد إلى حالة استنفار أمني غير مسبوقة.

مستويات ديفكون من الأدنى إلى الأعلى

ديفكون… النظام السري الذي يحدد لحظة الحرب في أمريكا

يتدرج النظام من مستوى السلم الكامل إلى حافة الحرب النووية. يبدأ بديفكون ٥ الذي يعني أن القوات في حالة عمل اعتيادية دون وجود تهديدات مباشرة. يرتفع بعد ذلك إلى ديفكون ٤ الذي يشير إلى زيادة الرقابة الاستخباراتية وتشديد الإجراءات الاحترازية.

أما ديفكون ٣ فيعبر عن توتر عسكري كبير يستدعي رفع الجاهزية والاستعداد لإعادة انتشار بعض الوحدات. ويعتبر ديفكون ٢ مرحلة خطيرة جداً، حيث تكون القوات مستعدة للانتشار خلال ساعات فقط، وغالباً ما يُعلن عند وجود تهديد كبير قد يشمل أسلحة عالية التدمير. وفي قمّة هذه المستويات يقف ديفكون ١، وهو أعلى درجات التأهب ويعني أن البلاد على وشك مواجهة حرب نووية أو أنها تتعرض لهجوم بالفعل، ويتم فيه تفعيل كل الخطط العسكرية بما فيها الخطط النووية.

التمييز بين ديفكون وأنظمة تأهب أخرى

كثيراً ما يختلط هذا النظام بأنظمة أخرى، إلا أن لكلٍّ منها وظيفة مختلفة. فديفكون يتعلق بالجاهزية العسكرية الشاملة للدولة، بينما تُستخدم أنظمة حماية القوات لتقدير مستوى التهديدات الإرهابية ضد المنشآت والأفراد العسكريين. أما تحذيرات السفر الأمريكية فهي مخصصة للمواطنين في الخارج لتقييم درجة المخاطر في الدول التي يقصدونها ولا علاقة لها بالجاهزية العسكرية.

يظهر من خلال متابعة تاريخ هذا النظام ودوره في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية أنه ليس مجرد رمز للقدرات العسكرية، بل هو آلية حساسة تمنع الانزلاق نحو حرب غير مقصودة وتحافظ في الوقت نفسه على قدرة الولايات المتحدة على الرد السريع والحاسم. ورغم طابع السرية الذي يحيط به، يبقى ديفكون واحداً من أهم الأدوات التي تعتمد عليها واشنطن لضبط ميزان القوة في لحظات التوتر والاستعداد لأخطر السيناريوهات.


شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com