خاص مركز بيروت للأخبار

تشهد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حرجة للغاية، بعد الإنذار الذي وجّهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطهران بضرورة رفع الحصار عن مضيق هرمز، تحت طائلة استهداف قطاع الكهرباء الإيراني بالكامل.

ومع ذلك، كشف خبر عاجل قبل قليل أن ترامب طلب تأجيل أي ضربة ضد مواقع الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، ما يعكس تردده ويؤكد أن الإدارة الأمريكية لا تزال تحاول الموازنة بين الضغوط الداخلية والحسابات الاستراتيجية الدولية. هذا التأجيل يعزز تصور المراقبين بأن ترامب لا يملك خيار المواجهة المباشرة بسهولة وأن أي خطوة محسوبة ضد إيران ستجري وفق حسابات دقيقة لتقليل الكلفة السياسية والاقتصادية.

التداعيات الاقتصادية للأزمة بدأت بالفعل في الظهور على الواقع، حيث تجاوز سعر برميل النفط مؤخراً حاجز 130 دولاراً، وارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة بنحو 27% خلال أيام، ما ينعكس مباشرة على الناخبين الأمريكيين ويؤثر على فرص الجمهوريين في الانتخابات المقبلة. هذه الخسائر الاقتصادية الواقعية تجعل خيار التراجع أقل سهولة، لأن الضرر وقع بالفعل، ما يدفع الإدارة إلى التفكير بجدية في خيارات التصعيد التي يمكن التحكم بتبعاتها نسبياً، أو على الأقل تأجيلها لتقييم الوضع.

أسعار الوقود تقفز بنحو 32% في الولايات المتحدة منذ الحرب على إيران
أسعار الوقود تقفز بنحو 32% في الولايات المتحدة منذ الحرب على إيران

رغم أن الرئيس الأمريكي أظهر في مناسبات سابقة قدرة على التراجع الفوري، إلا أن مؤشرات الرأي العام الأخيرة تدعم أي ضربات محدودة ضد إيران.

فقد أظهرت استطلاعات واشنطن بوست أن أغلبية الأمريكيين تؤيد عمليات محدودة للقوات الخاصة، وتعتبر إيران تهديداً يستدعي الرد. هذا السياق يسهّل على ترامب استخدام أي عملية عسكرية كأداة للتعبئة السياسية داخلياً، حيث يمكن توجيه الاتهامات للخصوم الديمقراطيين بالتقصير أو التخريب، وهو ما يعرف في العلوم السياسية بتأثير الالتفاف حول العلم في أوقات الأزمات.

أما من الناحية الإستراتيجية، يبرز البعد الدولي كعامل أساسي في الحسابات الأمريكية. فحصار مضيق هرمز يؤثر بشكل أكبر على خصوم واشنطن، إذ تعتمد الصين بنسبة تتجاوز 44% على نفط الخليج، والهند بنحو 62%، والاتحاد الأوروبي حوالي 18%. في المقابل، أصبحت الولايات المتحدة شبه مكتفية ذاتياً، مستفيدة من النفط الصخري و إمدادات فنزويلا وغيانا، ما يمنحها قدرة على استخدام الأزمة لتوجيه ضغوط على المنافسين الاستراتيجيين دون تحمل الكلفة نفسها.

أسعار الوقود تقفز بنحو 32% في الولايات المتحدة منذ الحرب على إيران
أسعار الوقود تقفز بنحو 32% في الولايات المتحدة منذ الحرب على إيران

التأثير على تحالفات القوى الدولية يظهر بوضوح، إذ قد تضطر أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية، رغم ترددها الحالي، إلى المشاركة في محاولات عسكرية لحماية خطوط الملاحة، وبالتالي الاصطفاف مع واشنطن ضد أي خصم محتمل مثل الصين. هذا التحالف الإجباري يعكس منطق “التطويق البحري” الذي اعتمدته الولايات المتحدة لعقود في مواجهة المنافسين الاستراتيجيين، ويمنح ترامب أداة إضافية لتعزيز موقفه الدولي.

على الجانب الإيراني، تمتلك طهران قدرة كبيرة على الرد عبر شبكاتها الدفاعية والصاروخية، وقد تعطل مضيق هرمز أو تضرب البنى التحتية الحيوية في دول الخليج، ما يشكل ضغطاً شديداً على الولايات المتحدة وحلفائها العرب. وفي هذا السياق، فإن أي تأجيل أمريكي للضربة يمنح إيران مزيداً من الوقت لترتيب دفاعاتها والاستعداد للرد، مما يزيد من حجم التحديات أمام واشنطن ويضعف رهانات تل أبيب على “الصدمة الأولى” في أي تصعيد محتمل.

دول الخليج تبدو الأكثر تعرضاً للأضرار المباشرة، إذ يعتمد نحو 70% من سكانها على مياه التحلية، وأي ضربة لإحدى المحطات سيؤدي إلى كارثة إنسانية هائلة، إلى جانب تأثيرها على البنى التحتية والخدمات الأساسية. ومع ذلك، فإن هذه المخاطر لا تبدو كافية لثني الإدارة الأمريكية أو “إسرائيل” عن الاستمرار في سياسة الضغط على إيران، حيث تبقى الكلفة الإنسانية على حلفاء واشنطن العرب، بينما تواصل الولايات المتحدة الحفاظ على الحد الأدنى من الانخراط المباشر في العمليات.

الإنذار الأخير وقرار التأجيل لمدة خمسة أيام يظهران بوضوح أن ترامب يعيش حالة من الارتباك والتردد، محاطاً بين الضغط الداخلي لإظهار الحزم، والخطر الاستراتيجي لمواجهة مفتوحة قد تتسع لتشمل الخليج أو تجاوز حدود إيران. كل معطى جديد يؤكد أن منطق التصعيد يظل الأقوى حالياً، وأن خيار الاحتواء أو التراجع، الذي استخدمه في مناسبات سابقة، أصبح أقل ملاءمة في مواجهة الحسابات الانتخابية والدولية المتشابكة.

في المحصلة، تشير الوقائع الحالية إلى أن ترامب يستخدم التأجيل كوسيلة لإدارة المخاطر والتحكم بالجدول الزمني للصراع، لكنه في الوقت نفسه لا يخفف من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة حقيقية إذا لم يتم التوصل إلى أي تسوية دبلوماسية. التردد الأمريكي، المدعوم بحسابات داخلية وخارجية، يبدو محورياً لفهم أي تطورات مستقبلية، خصوصاً في ظل استمرار الاستفزازات الإيرانية والتهديدات بالرد على أي استهداف لمصالحها الحيوية.

 

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com