خاص مركز بيروت للأخبار

في خطاب متلفز، حاول بنيامين نتنياهو أن يلبس قناع المفكر وهو يقتبس من كتاب “دروس التاريخ” للمؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت“، مدعياً أنّ التاريخ يبرهن على أنّ جنكيزخان “يتفوّق” على السيد المسيح (عليه السلام)، وأن القوة الغاشمة تنتصر على الأخلاق. غير أن ما فعله نتنياهو لم يكن قراءة ولا فهماً، بل تحريفاً فاضحاً لفلسفة كاملة تهدف إلى تبرير الإبادة والقتل والتوسع، عبر اقتطاع جملة من سياقها وتحويلها إلى ذريعة دموية تخدم مشروعه القائم على العنف.

عند العودة إلى كتاب ديورانت، يتضح مباشرة أن السياق الذي يحاول نتنياهو إلصاقه بالكاتب غير موجود إطلاقاً، فديورانت يناقش لحظة الصراع المادي في التاريخ، ويقول إن الطبيعة لا تتحيّز في معارك القوة الآنية. لكنّ هذا النقاش لا يمتّ بصلة إلى تقييم شخصية السيد المسيح (عليه السلام)، ولا إلى المفاضلة بينه وبين قادة دمويين مثل جنكيزخان. بل إن ديورانت يذهب أبعد من ذلك ليؤكّد أنّ السيد المسيح (عليه السلام) أحدث انقلاباً أخلاقياً في العالم، وأن تعاليمه ساهمت في هدم صورة “الإله الانتقامي” الذي بنت عليه الصهيونية السياسية لاحقاً سرديتها المتعطّشة للدم. وهذه حقيقة لا يستطيع نتنياهو الاقتراب منها، لأنها تنسف جذور خطابه القائم على الفكرة نفسها.

ديورانت يرى أن انتصارات القادة الدمويين دائماً قصيرة العمر، وأنها تنهار بزوال جيوشهم. جنكيزخان احتل نصف آسيا ثم تبخر إرثه السياسي. نابليون اجتاح أوروبا ثم انتهى منفياً. الإسكندر مات قبل أن يكمل الثلاثين وبقيت خلفه إمبراطوريات تتفكك. أما السيد المسيح (عليه السلام)، الذي يحاول نتنياهو التقليل من شأنه، فقد بقي أثره ممتداً عبر القرون، ليس بالسيف، بل بالأخلاق والرحمة والإنسانية، وهو ما يسميه ديورانت “الانتصار الدائم” الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان.

نتنياهو احتاج أن يكذب لأنه لا يملك أي سند معرفي أو أثري أو تاريخي يدعم رواياته عن “أرض الميعاد” أو الهيكل المزعوم. فكل الدراسات التي أجريت في القدس، حتى تلك التي أشرف عليها علماء إسرائيليون، لم تقدّم دليلاً واحداً على وجود الهيكل تحت المسجد الأقصى.

وكل المدارس التاريخية المحترمة ترفض الرواية التوراتية كما يروّج لها نتنياهو. لذلك يلجأ دائماً إلى اقتباسات مبتورة ومفاهيم مشوّهة، ظناً منه أنّ بعض العبارات الفلسفية يمكن أن تخفي حقيقة أنّه يقود مشروعاً يقوم على القتل والتجويع والتدمير.

في المقابل، السيد المسيح (عليه السلام) الذي يحاول نتنياهو استحضاره بطريقة “ساخرة”، هو رمز للسلام ورسالة المحبة والعدالة. جاء ليقول “طوبى لصانعي السلام”، بينما يتصرف نتنياهو وفق مبدأ “طوبى لصانعي الموت”. المسيح غيّر الإنسانية بلا حرب، بينما نتنياهو يحاول تغيير خرائط المنطقة بالدم. المفارقة هنا ليست مقارنة بين الرجلين، بل بين منهجين: منهج يبني القيم ومنهج يهدم القيم؛ منهج يؤسس للإنسانية ومنهج يوثّق للوحشية؛ منهج يترك أثراً، ومنهج لا يترك سوى المقابر.

ويقدّم ديورانت في نهاية كتابه خلاصته الفلسفية الكبرى: الانتصار الحقيقي ليس انتصار القوة، بل انتصار الفكرة. الحضارة التي تبني القيم تبقى، وتلك التي تبني العنف تزول.

التاريخ ليس سجلاً للقتلة، بل سجلاً للأثر الباقي، وللفكرة التي تنتقل من عصر إلى آخر. في هذه الخلاصة، يقدّم ديورانت حكماً قاطعاً على كل ما يمثله نتنياهو اليوم: أن القوة التي لا تُنتج قيماً هي قوة محكومة بالفناء، وأن القادة الذين لا يخلّدون سوى الحروب يموتون مرتين، مرة بالجسد ومرة بالنسيان.

لذلك يبدو خطاب نتنياهو الأخير محاولة يائسة لإقناع نفسه قبل الآخرين بأن الشرّ يمكن أن يصنع تاريخاً، وأن القوة يمكن أن تحلّ محل الأخلاق. لكنه يتجاهل حقيقة بسيطة يعرفها كل قارئ لكتاب ديورانت: أن الانتصار الذي يبقى، هو الذي يترك أثراً، وأن السيد المسيح (عليه السلام)، برسالته الإنسانية، هو من صنع ذلك الأثر، بينما نتنياهو، بكل ما يملكه من سلاح ودعم وحروب، لن يصنع سوى زواله.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com