كتب باسم الموسوي

يتردد في الفضاء العام، على ألسنة فريق من المثقفين والمحللين الموالين للسياسة الأمريكية، حجة تبدو في ظاهرها منطقية رصينة: المقاومة لم تحمِ أهلها من العدوان، بل جلبت عليهم الدمار والخراب، وبالتالي انتهى دورها وانقضت شرعيتها التاريخية. وهذه الحجة تُقدَّم عادةً بلهجة البراغماتي الذي يُحكِّم الوقائع لا الأيديولوجيا، ويضع نفسه في موقع المحلل الموضوعي الذي يرى ما لا يراه غيره بسبب ما يصفه بالعاطفة والتحيز.
غير أن الوقائع ذاتها، حين تُقرأ بلا انتقاء، تكشف أن هذا المعيار لا يُطبَّق على أحد سوى المقاومة. وأن من يرفعونه يُنزلونه فوراً حين يُقترح تطبيقه على الطرف الآخر. وهذا وحده كافٍ للحكم على طبيعة ما يُقدَّم باعتباره تحليلاً.

المعيار وتوأمه المنسي
منذ عقود، تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية في أرجاء المنطقة انتشاراً واسعاً: في العراق وسوريا والأردن والكويت والبحرين وقطر والإمارات وتركيا وغيرها. وقد قُدِّم هذا الحضور العسكري الضخم دائماً على أنه ضامن للاستقرار وحائط صد أمام الاضطراب الإقليمي وأداة ردع لا غنى عنها.
بيد أن هذه القواعد تعرضت مراراً للاستهداف على مدى العقود الماضية. من ضربة برج الخبر في المملكة العربية السعودية عام 1996، إلى الهجمات المتكررة على القوات الأمريكية في العراق وسوريا في سنوات متعاقبة، وصولاً إلى الضربة التي طالت موقع “البرج 22” على الحدود الأردنية السورية في مطلع عام 2024 وراح فيها جنود أمريكيون. ولم تحمِ هذه القواعد الدولَ المضيفة من الاستهداف، بل كثيراً ما كانت هي نفسها مصدراً لاستقطاب الاستهداف وتركيزه على أراضي تلك الدول.
فهل طالب أحد من هؤلاء المحللين بسحب القوات الأمريكية من المنطقة لأنها لم تحقق الحماية الكاملة الموعودة؟ هل قال أحدهم إن الوجود العسكري الأمريكي “انتهى دوره” لأن العمليات ضده لم تتوقف ولأن الدول المضيفة لم تنجُ من الاستهداف؟ هل طُرح يوماً سؤال: ما الجدوى من هذه القواعد إذا كانت لا تحول دون وقوع الحرب؟
الصمت هنا ليس مصادفة عارضة. إنه بنية متعمدة. إنه الإطار الذي يجعل بعض الأسئلة مشروعةً ويجعل أسئلة أخرى غير قابلة للطرح أصلاً.

منطق الانتقاء في تطبيق المعايير
ما يجري في الواقع هو تطبيق معيار مزدوج مبني على مسلّمة مسبقة لا على استدلال منطقي حقيقي. المسلّمة هي: سلاح المقاومة غير مشروع بطبيعته وبتعريفه، وكل ما يُستدل به لاحقاً ليس سوى تدليل على هذه النتيجة المقررة قبل أي تحليل، لا استدلال حقيقي يحتمل نتائج مختلفة.
وهذا ما يجعل الحجة دائرية في جوهرها: المقاومة لم تمنع الحرب، إذن لا جدوى منها ولا شرعية لوجودها. لكن حين تُستهدف القواعد الأمريكية ولا تمنع الحرب في المنطقة ولا تردع من يستهدفها، لا تُستخلص النتيجة الموازية، بل يُقال إن على أمريكا أن تضرب بقوة أكبر وأن تزيد انتشارها وأن توسع تحالفاتها. أي أن إخفاق القوة هنا يستدعي مزيداً منها ولا يُفضي إلى التشكيك في مشروعية وجودها.
المقاومة حين تُخفق في منع العدوان يُطلب حلّها وتجريدها من سلاحها وإلغاؤها. الجيش الأمريكي حين يُخفق في منع استهداف قواعده يُطلب تعزيزه وزيادة ميزانيته. ليس هذا تحكيماً للمنطق بأي معنى حقيقي، بل هو إعلان صريح عن موقف سياسي مسبق يتلبّس لباس التحليل الموضوعي ويستعير لغته.

الردع ليس صوناً تاماً من الحرب
ثمة خلط متعمد أو غير متعمد بين وظيفتين مختلفتين اختلافاً جوهرياً لا يجوز الخلط بينهما: الحماية الكاملة من أي عدوان كان، والردع الذي يرفع كلفة العدوان ويُعقِّد حسابات خوضه ويجعل مقترفه يدفع ثمناً يؤثر في خياراته المستقبلية. لا جيش في التاريخ البشري حقق الأولى، وليس هذا ما تُقدَّم به الجيوش لنفسها عادةً. الجيوش والتحالفات العسكرية تُقدِّم نفسها دائماً بوصفها أدوات ردع وتوازن قوى وتكبيد للعدو ما يُثنيه عن التمادي في عدوانه، لا بوصفها درعاً مثالية تحول دون وقوع أي اشتباك.
المقاومة في لبنان وفلسطين لم تقل يوماً إنها ستمنع كل قذيفة من الانطلاق وكل غارة من الوقوع. ما قالته، وما أثبتته في حقب تاريخية موثقة، هو أنها ستجعل الحرب الشاملة مكلفة إلى حد يجعل الحسابات الإسرائيلية تتردد وتتأخر وتُعيد النظر. وهذا بالضبط ما أثبتته حرب 2006 ومحطات أخرى سابقة، قبل أن تتغير المعطيات الإقليمية والدولية تغيراً جوهرياً غير مسبوق لم يكن في حساب أحد ولم تنتجه المقاومة وحدها.
الردع الأمريكي بدوره لم يمنع اندلاع الصراعات في المنطقة التي يتمركز فيها، ولم يحمِ الدول المضيفة من الاستهداف المتكرر، ولم يمنع صعود قوى إقليمية فرضت نفسها رغم الحضور الأمريكي الكثيف. لكن أحداً لا يستنتج من هذا أن وجوده الإستراتيجي “انتهى دوره”. بل يُقال باستمرار إنه الضمانة الوحيدة للاستقرار، ويُقدَّم كل إخفاق على أنه حجة لمزيد من الانخراط لا للمراجعة.

الكلفة التي يتحملها الآخرون
من اللافت في هذا النقاش أن أصحاب حجة “انتهاء دور المقاومة” لا يتحملون شيئاً مما يترتب على نصائحهم. إنهم يُصدرون أحكامهم من منصات آمنة ومن مسافة مريحة، بينما يقع ثمن أي خيار على الشعوب التي تعيش الاحتلال والحصار يومياً.
في المقابل، الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة هو الآخر يُكلِّف الدول المضيفة أثماناً باهظة: استهداف أراضيها، توتر داخلي، تقييد لهامش قرارها السياسي، واستقطاب لصراعات لم تكن طرفاً مباشراً فيها. لكن لا أحد من دعاة “البراغماتية” يُطبِّق معيار الكلفة على هذا الوجود كما يطبقه على سلاح المقاومة.
هذا الغياب المنهجي للتناسق في تطبيق المعايير هو بذاته دليل على أن ما يجري ليس تحليلاً سياسياً بالمعنى الدقيق، بل هو توليد مسوّغات لخيارات محددة سلفاً.

من يملك حق تحديد “انتهاء الدور”؟
خلف هذه الحجة سؤال أعمق يتعلق بالسيادة والإرادة السياسية وحق الشعوب في تقرير مصيرها: من يملك صلاحية الحكم على أن أداة ما “انتهى دورها” في مسار تحرر شعب واقع تحت احتلال استيطاني ممتد؟ هل هو المحلل الجالس في الاستوديو، أم المنظّر الذي لا يتحمل شيئاً مما يترتب على نصائحه، أم الشعب الذي يعيش الاحتلال ويدفع كل يوم ثمن وجوده ومقاومته معاً؟
حين تُصادَر هذه الصلاحية باسم المنطق البراغماتي وتُنقل من أصحابها الأصليين إلى دوائر التحليل الموالية للسياسة الأمريكية، فهذه ليست مصادرة معرفية بل مصادرة سياسية في المقام الأول، تتوشح بأردية التقييم الموضوعي وتستعير مفرداته لإضفاء الشرعية على ما هو في جوهره موقف من يقف مع طرف في صراع غير متكافئ.
الشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من المحللين الموالين للقوى التي ترعى احتلالها كي تُقرر بأي أدوات تُقاوم ومتى تُقاوم. هذا ليس دفاعاً عن أي خيار بعينه، بل هو تثبيت لمبدأ أولي لا يقبل المصادرة.

الحجة القائلة بأن المقاومة انتهى دورها لأنها لم تمنع العدوان تنهار انهياراً تاماً حين تُواجَه بمعيارها الخاص مُطبَّقاً بتناسق على الطرف الآخر. فالقواعد الأمريكية لم تحمِ الدول المضيفة من الاستهداف ولم تمنع الحروب في محيطها، ومع ذلك لا يجرؤ أحد من أصحاب هذه الحجة على استخلاص ما يوجبه منطقهم بالضرورة.
وأن هذا التطبيق المتسق لا يحدث ولن يحدث في تلك الدوائر يقول كل شيء عن طبيعة المعيار المُستعمَل: إنه ليس معياراً للتحليل السياسي الموضوعي، بل هو أداة مُصمَّمة لإنتاج الشرعية لطرف وسلبها بصورة منهجية من طرف آخر. والفارق الوحيد بين الطرفين ليس في المنطق بل في موقع كل منهما من خريطة القوة والهيمنة

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com