خاص مركز بيروت للأخبار

في خضمّ تصعيد إقليمي مزدحم بالضغوط الدولية وتخبّط المواقف الإسرائيلية، تتكثّف الاتصالات الدبلوماسية بين بيروت وباريس وتل أبيب في محاولة لفتح ثغرة سياسية في جدار الأزمة. وبينما تسعى فرنسا لتثبيت دورها كوسيط ضاغط، تتقدّم بيروت بمؤشرات سياسية محسوبة يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي بات اليوم مركز الثقل في أي مسار تفاوضي محتمل مع الكيان اإسرائيلي . ومع كل حركة دبلوماسية، يزداد الانطباع داخل تل أبيب بأن الرجل الأكثر قدرة على تعطيل أي تسوية أو فرض شروطها هو نفسه من يقود الإيقاع الهادئ: بري.

تؤكد مصادر سياسية متقاطعة في لبنان وباريس وتل أبيب أنّ الفترة الراهنة تشهد زخماً حقيقياً باتجاه اختبار إمكانية إطلاق مسار تفاوضي غير مباشر بين لبنان و”إسرائيل”، في ظلّ اتساع القلق الإسرائيلي من الجبهة الشمالية وتنامي تأثير المقاومة في المشهد الإقليمي.

ورغم غياب إطار رسمي للمفاوضات، تتواصل القنوات الخلفية بوتيرة متصاعدة لاستكشاف نقاط مشتركة قد تفتح الباب أمام ترتيبات ميدانية وسياسية تسبق أي اتفاق أكبر.

وفي الداخل الإسرائيلي، أوكلت مهمة إدارة هذا الملف إلى رون ديرمر بتوجيه مباشر من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ، رغم عدم شغله منصباً رسمياً حالياً. وتعكس هذه الخطوة حجم التخبّط داخل المؤسسة السياسية في تل أبيب التي تصطدم بمعضلة أساسية: تريد اتفاقاً، “لكن لا تثق بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها بسبب وزن المقاومة”.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الهجمات المنطلقة من الساحة اللبنانية منذ اندلاع المواجهات تفوق من حيث التأثير ما صدر من إيران، ما يجعل “الجبهة الشمالية” أولوية مطلقة بالنسبة للقيادة العسكرية والسياسية في تل أبيب.

ولا تقتصر المطالب الإسرائيلية على ملف السلاح، بل تشمل إجراءات أوسع تتعلق بالبنى المدنية والتمويل والبيئة الحاضنة للمقاومة، في محاولة لاستثمار أي مفاوضات لانتزاع مكاسب تتجاوز ما بعد العام 2006.

في هذا الوقت، تكثّف باريس تحرّكاتها عبر وزير خارجيتها جان-نويل بارو الذي أجرى سلسلة اتصالات مع المسؤولين في تل أبيب، قبل أن يزور بيروت ويلتقي رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري. وتسعى فرنسا لإيجاد مساحة مشتركة يمكن أن تخفّف التوتر الحدودي وتحدّد ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة فعلياً على أن تكون طرفاً مفاوضاً يمتلك القدرة على التنفيذ.

على الجانب اللبناني، يتعامل بري مع الملف بحذر وخبرة، معتبراً أن أي خطوة تفاوضية لا يمكن أن تبدأ قبل تثبيت وقف إطلاق النار، وهو موقف يعقّد الحسابات الإسرائيلية ويبطئ اندفاعها نحو فتح القنوات بشكل عاجل.

وتراقب “إسرائيل” بقلق متزايد الدور المحوري لبري، مدركة أن أي تسوية لن تمرّ دون موافقته، وأن قدرة الرجل على توفير الغطاء السياسي أو منعه تجعل منه لاعباً لا يمكن تجاوزه. وفي الوقت نفسه، تربط تل أبيب أي تقدم على الساحة اللبنانية بالمسار الأوسع من المواجهة مع إيران، معتبرة أن أي اتفاق لن يكتمل قبل تبدّل التوازنات الإقليمية الناجمة عن الحرب.

أما داخلياً في “إسرائيل”، فلا يبدو المشهد موحداً، جزء من المؤسسة السياسية يرى أن الظروف مهيأة لاستثمار الضغط الفرنسي والاهتمام اللبناني لتحقيق تقدّم، بينما يدفع آخرون نحو استكمال المواجهة العسكرية قبل أي حديث سياسي.

وهو مسار ليس بجديد، بل يأتي امتداداً لنقاشات بدأت منذ ترسيم الحدود البحرية، لكنه اليوم أكثر حساسية بسبب الاشتباك المباشر بين “إسرائيل” وإيران وانخراط الجبهة اللبنانية بثقل أكبر. فكل طرف يدرك أن الوضع الإقليمي لن يعود إلى ما كان عليه، وأن أي اتفاق سيعيد رسم قواعد الاشتباك لسنوات مقبلة.

كما أن الدور الفرنسي، تاريخياً، يتأرجح بين الوساطة السياسية والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية في لبنان، ما يجعل باريس حريصة على ألا تُهمّش في لحظة إعادة تشكيل المعادلات.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com