خاص مركز بيروت للأخبار

كشفت صحيفة واشنطن بوست عن واقعة أمنية تعد الأخطر منذ سنوات، بعدما رصدت أجهزة المراقبة الأمريكية طائرات مسيّرة مجهولة تحلّق فوق قاعدة عسكرية حساسة في قلب واشنطن، القاعدة نفسها التي كان يقيم فيها بشكل مؤقت وزير الدفاع ووزير الخارجية، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية إلى إطلاق أعلى درجات الطوارئ ونقل المسؤولين إلى موقع سري بعيداً عن الأنظار. الواقعة لم تكن مجرد خرق للأجواء، بل صدمة أمنية كاملة، لأنها أكدت أن داخل العاصمة الأمريكية نفسها توجد ثغرات تسمح لطائرات لا يعرف أحد مصدرها بالوصول إلى مستوى لم تبلغه أي جهة معادية من قبل.

وفي ظل غياب إعلان رسمي يحدد الجهة المسؤولة، بدأ النقاش داخل المؤسسات الأمريكية يأخذ منحى أخطر، بعدما اعتبر مسؤولون أمنيون أن ما حدث قد يكون محاولة اغتيال غير مباشرة أو اختباراً لقدرات الدفاع الأمريكي داخل العاصمة. مجرد الاقتراب من قاعدة تتواجد فيها شخصيتان سياديتان بهذا الوزن يمثل ضربة معنوية وأمنية في عمق الدولة الأمريكية، ضربة تعيد طرح السؤال: هل تواجه واشنطن لأول مرة احتمال أن يصل خصومها إلى داخلها، أم أن ما جرى نتيجة خلل أمني بنيوي يجري التستر عليه؟

الأجواء التي رافقت الحادثة لم تمر دون أن يستعيد الأمريكيون شبح الماضي، وتحديداً الماضي الذي صاغته إدارة الرئيس جورج بوش الابن حين روّجت لأكبر عملية تضليل في التاريخ الحديث عبر رواية “أسلحة الدمار الشامل” التي استخدمت لتبرير غزو العراق. يومها، كشفت صحف أمريكية كبرى مثل نيويورك تايمز لاحقاً حجم الأكاذيب التي بُنيت عليها الحرب، وروت كيف جرى تضخيم تقارير استخباراتية وتوجيه الرأي العام نحو خوف شامل من خطر لم يكن موجوداً أصلاً، بينما أدلى مسؤولون سابقون مثل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق جورج تينيت باعترافات صريحة عن أن الأدلة التي قُدمت للرأي العام وللعالم كانت غير مكتملة أو جرى استخدامها خارج سياقها السياسي.

وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري اعتبر أن هناك مبالغات وتضخيم بخصوص الخطر الذي تشكله إيران للولايات المتحدة
وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري اعتبر أن هناك مبالغات وتضخيم بخصوص الخطر الذي تشكله إيران للولايات المتحدة

ومع مرور السنوات، تكررت النسخة نفسها ولكن هذه المرة تجاه إيران، حيث تصاعدت أصوات مسؤولين أمريكيين سابقين مثل وزير الخارجية الأسبق جون كيري الذين تحدثوا علناً عن وجود مبالغات منهجية في تصوير إيران كخطر “وجودي” على الولايات المتحدة، تماماً كما صُوّر العراق في 2003. وازدادت الشكوك بعد اعتراف شخصيات بارزة مثل كولين باول بأن خطاباته حول أسلحة العراق كانت قائمة على معلومات مضللة.

اليوم، ومع حادثة المسيّرات فوق قاعدة حساسة في واشنطن، يعود السؤال ذاته ولكن بنبرة أكثر حدة: هل نحن أمام تهديد حقيقي وصل إلى عمق العاصمة الأمريكية، أم أن واشنطن تستعد لصناعة رواية جديدة تُستخدم في الصراع المفتوح مع إيران أو غيرها؟ الفجوة المعلوماتية التي تركتها الإدارة الحالية حول طبيعة الحادث تسمح بتوسع التكهنات، وهي الفجوة نفسها التي استُغلت سابقاً لإشعال حرب شُيدت بالكامل على الأكاذيب.

الطائرات المسيّرة التي حلّقت فوق قلب أمريكا ليست مجرد حادثة أمنية، بل مرآة تعكس تاريخاً طويلاً من صناعة الأخطار وتضخيم التهديدات، كما تعكس احتمال ولادة واقع جديد يثبت لأول مرة أن واشنطن لم تعد محصّنة كما كانت، وأن زمن “الخطر البعيد” الذي كانت الإدارات الأمريكية تبيعه لشعبها ربما انتهى… لتحلّ محله مرحلة “الخطر القريب جداً” سواء كان حقيقياً أو مصنعاً على طاولة السياسة الأمريكية.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com