كتب باسم الموسوي
في خضمّ الحروب الكبرى التي تعصف بالمنطقة، يعود الحديث مجددًا عن التفاوض بين لبنان وإسرائيل، وكأنّ البلاد تقف أمام مفترق تاريخي جديد. غير أنّ النقاش الدائر اليوم غالبًا ما يُطرح بطريقة ثنائية مبسّطة: إمّا الحرب وإمّا السلام، إمّا المقاومة وإمّا التفاوض. والحقيقة أنّ التجارب التاريخية للبنان والمنطقة تثبت أنّ هذه الثنائية زائفة. فالتفاوض لا يكون قويًا إلا إذا استند إلى قوة ميدانية، والسلام لا يصبح عادلاً إلا إذا كان ثمرة صمود لا نتيجة استسلام.
إنّ القضية الأساسية ليست في مبدأ التفاوض ذاته، بل في الموقع الذي ينطلق منه التفاوض. فالتاريخ الحديث للبنان يعلّمنا درسًا واضحًا: كل إنجاز سياسي أو دبلوماسي حققه لبنان في مواجهة إسرائيل كان نتيجة توازن قوى فرضته المقاومة والصمود الشعبي. من تحرير الجنوب عام 2000 إلى تثبيت معادلات الردع في السنوات اللاحقة، لم يكن أيّ من هذه التحولات نتيجة مفاوضات ضعيفة أو ضغوط دولية فحسب، بل جاء بعد أن أثبت اللبنانيون قدرتهم على الصمود وفرض كلفة على الاحتلال.
من هنا، فإنّ الحديث عن التفاوض في هذه المرحلة لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب يساوي بين الاستسلام والسلام، ولا أن يُقدّم كبديل عن الصمود الوطني. بل يجب أن يُفهم بوصفه مرحلة سياسية تلي المواجهة، حيث تتحول نتائج الميدان إلى أوراق قوة على طاولة التفاوض.
المشكلة الحقيقية في النقاش الدائر اليوم أنّ بعض الأصوات السياسية تحاول تصوير المقاومة وكأنها سبب المأساة اللبنانية، وكأنّ إنهاء دورها هو المدخل الوحيد للخروج من الحرب. غير أنّ هذا الطرح يتجاهل حقيقة تاريخية أساسية: إنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان لم يكن يومًا مرتبطًا بوجود المقاومة فقط، بل هو جزء من مشروع استراتيجي أوسع يسعى إلى فرض الهيمنة العسكرية والأمنية على المنطقة.
لقد شهد لبنان احتلالًا دام عقودًا قبل نشوء المقاومة الحديثة، وتعرّض لاعتداءات متكررة حتى في فترات الهدوء السياسي. لذلك فإنّ اختزال الأزمة في مسألة سلاح المقاومة هو تبسيط شديد للواقع، بل هو تبسيط يخدم الرواية الإسرائيلية التي تحاول تحويل الصراع من قضية احتلال وعدوان إلى مجرد مسألة أمنية داخلية لبنانية.
إنّ ما ينبغي أن يُطرح اليوم ليس نزع القوة التي تحمي لبنان، بل كيفية تحويل هذه القوة إلى رصيد وطني جامع يخدم الدولة والمجتمع. فالمقاومة، مهما كان الجدل حول دورها السياسي، تمثل حقيقة ميدانية لا يمكن تجاهلها، وقوة ردع أثبتت فعاليتها في أكثر من محطة تاريخية.
لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل حقيقة أخرى: لبنان بلد متعدد الطوائف والاتجاهات، وأيّ خيار استراتيجي فيه لا يمكن أن ينجح إذا لم يحظَ بقدر واسع من التوافق الوطني. لذلك فإنّ الطريق الواقعي للخروج من الأزمة لا يمرّ عبر إقصاء طرف أو شيطنته، بل عبر بناء صيغة وطنية توازن بين الصمود العسكري والوحدة السياسية.
إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة التاريخية هو أن تتحول الحرب مع الخارج إلى صراع داخلي بين اللبنانيين. فالتاريخ اللبناني مليء بالأمثلة التي تثبت أنّ الانقسامات الداخلية كانت دائمًا المدخل الأخطر لتدخل القوى الخارجية وفرض شروطها.
ومن هنا، فإنّ المسؤولية الوطنية اليوم تقع على عاتق جميع القوى السياسية: أن تدرك أنّ الخلاف الداخلي حول الاستراتيجيات لا ينبغي أن يتحول إلى صراع وجودي بين اللبنانيين. فالمقاومة ليست مشروعًا طائفيًا ضيقًا، كما أنّ الدولة ليست ملكًا لفئة دون أخرى. والبلاد لا يمكن أن تُبنى إلا على أساس شراكة وطنية تحترم هواجس الجميع وتبحث عن حلول واقعية.
إنّ التفاوض، إذا كان لا بدّ منه، ينبغي أن ينطلق من ثلاثة مبادئ أساسية:
أولًا، حماية السيادة اللبنانية الكاملة على الأرض والحدود، ورفض أيّ ترتيبات أمنية تمسّ استقلال القرار الوطني.
ثانيًا، تحويل الصمود العسكري الذي تحقق في المواجهة إلى عنصر قوة تفاوضية، لا إلى عبء سياسي يُراد التخلص منه.
ثالثًا، بناء توافق داخلي واسع حول أيّ مسار تفاوضي، بحيث لا يشعر أيّ جزء من اللبنانيين أنّه مستبعد أو مستهدف.
إنّ التجارب التاريخية تثبت أنّ الدول الصغيرة لا تستطيع فرض شروطها في السياسة الدولية إلا إذا امتلكت عنصرين أساسيين: القوة والوحدة. فإذا فقدت القوة تحولت إلى تابع، وإذا فقدت الوحدة تحولت إلى ساحة صراع للآخرين.
لبنان اليوم يقف أمام هذا الاختبار الصعب. فالمواجهة العسكرية أظهرت أنّ البلاد قادرة على الصمود رغم الفارق الهائل في موازين القوى. لكن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة اللبنانيين على تحويل هذا الصمود إلى مشروع سياسي جامع.
إنّ المقاومة، في جوهرها، ليست مجرد فعل عسكري. إنها تعبير عن إرادة شعب يرفض الخضوع للعدوان. وهذه الإرادة لا ينبغي أن تتحول إلى عامل انقسام داخلي، بل إلى نقطة انطلاق لبناء رؤية وطنية جديدة.
فإذا استطاع اللبنانيون تحويل الصمود إلى وحدة، والمواجهة إلى قوة تفاوضية، فإنّ البلاد لن تدخل مرحلة الاستسلام التي يخشاها البعض، بل مرحلة جديدة من التوازن والكرامة الوطنية.
أما إذا غلبت لغة التخوين والانقسام، فإنّ أخطر ما قد يحدث ليس توقيع اتفاق سلام غير عادل، بل انزلاق البلاد إلى صراع داخلي يبدّد كل ما تحقق من تضحيات.
إنّ اللحظة التاريخية التي يعيشها لبنان اليوم تفرض على الجميع مسؤولية كبرى: أن يدركوا أنّ الصمود لا يتعارض مع التفاوض، وأنّ التفاوض الحقيقي لا يكون إلا من موقع الصمود.
بهذا المعنى، فإنّ مستقبل لبنان لن يُصنع في ميدان الحرب وحده، ولا على طاولة المفاوضات وحدها، بل في المعادلة التي تجمع بينهما: صمود يحمي البلاد، وتوافق وطني يحفظ وحدتها، وسياسة حكيمة تحوّل التضحيات إلى مكاسب حقيقية.
في مثل هذه اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا يعود النقاش السياسي ترفًا نظريًا، بل يتحول إلى مسألة وجودية تتعلق بمصير المجتمع نفسه. ولبنان اليوم يقف في قلب هذه اللحظة، حيث يتقاطع العدوان الخارجي مع توترات داخلية عميقة تهدد بتحويل الصراع من مواجهة مع عدو خارجي إلى صراع بين اللبنانيين أنفسهم. إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في سياق الحروب ليس فقط الخسائر العسكرية أو الاقتصادية، بل انهيار القدرة الجماعية للمجتمع على التفكير المشترك في مصيره. ولذلك فإنّ التحدي الحقيقي أمام اللبنانيين اليوم ليس فقط كيفية مواجهة العدوان الإسرائيلي أو وقفه، بل أيضًا كيفية منع الانقسام الداخلي من أن يتحول إلى الأداة التي تُستكمل عبرها أهداف هذا العدوان.
لقد أثبتت تجارب التاريخ الحديث، سواء في لبنان أو في غيره من المجتمعات التي تعرضت لصراعات طويلة، أن التفوق العسكري الخارجي غالبًا ما يسعى إلى تحقيق ما يعجز عن تحقيقه في الميدان عبر تفكيك الجبهة الداخلية للخصم. فالعدوان لا يستهدف الأرض فحسب، بل يستهدف أيضًا الإرادة السياسية للمجتمع، ويسعى إلى تحويل التعددية الداخلية إلى حالة من التناحر الدائم الذي يجعل المجتمع عاجزًا عن صياغة موقف وطني متماسك. ومن هنا فإنّ الانقسامات اللبنانية الحادة، حين تتحول إلى خطاب إقصاء متبادل أو إلى محاولات إلغاء سياسي بين المكونات المختلفة، لا تبقى مجرد خلافات داخلية مشروعة في مجتمع تعددي، بل تتحول موضوعيًا إلى عنصر ضعف استراتيجي يمكن للعدو أن يستثمر فيه.
إنّ الدعوة إلى التخلي عن منطق التناحر والإلغاء لا تعني الدعوة إلى إلغاء الاختلافات السياسية أو الفكرية بين اللبنانيين، فهذه الاختلافات جزء طبيعي من أي مجتمع حيّ. لكن الفرق كبير بين الاختلاف الذي يُدار داخل إطار وطني جامع، وبين الاختلاف الذي يتحول إلى مشروع لإقصاء الآخر أو لنزع شرعيته السياسية أو الاجتماعية. ففي الحالة الأولى يصبح التنوع مصدر قوة وثراء سياسي، أما في الحالة الثانية فيتحول إلى مسار تفكك يهدد المجتمع كله. والمشكلة التي واجهها لبنان مرارًا في تاريخه الحديث هي أنّ خلافاته السياسية غالبًا ما كانت تنزلق من مستوى الجدل الديمقراطي إلى مستوى الصراع الوجودي بين المكونات.
إنّ التفكير الواقعي الذي يحتاجه لبنان اليوم لا يمكن أن ينطلق من أوهام الانتصار السريع أو من شعارات تعبوية فارغة، كما لا يمكن أن يقوم على تصور أن إنهاء الأزمة الداخلية يمكن أن يتحقق عبر إقصاء طرف أو إخضاعه بالقوة السياسية أو العسكرية. فالمجتمعات المركبة، مثل المجتمع اللبناني، لا تستقر إلا عبر صيغ توازن معقدة تسمح لمكوناتها المختلفة بأن تشعر بأنّها شريكة في القرار الوطني. وأي محاولة لفرض معادلة سياسية أحادية في مثل هذه المجتمعات غالبًا ما تنتهي بإعادة إنتاج الصراع بدل إنهائه.
في هذا السياق، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط كيف يمكن مواجهة العدوان الإسرائيلي عسكريًا أو دبلوماسيًا، بل كيف يمكن إحباط أهدافه الاستراتيجية الأعمق. فالهدف الأساسي لأي عدوان طويل الأمد ليس مجرد تحقيق مكاسب ميدانية، بل فرض واقع سياسي جديد يضعف قدرة المجتمع المستهدف على المقاومة أو على الدفاع عن مصالحه في المستقبل. ولذلك فإنّ التصدي الحقيقي للعدوان لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يشمل أيضًا حماية البنية الداخلية للمجتمع من التفكك.
إنّ تحصين لبنان في مواجهة العدوان يمرّ بالضرورة عبر إعادة بناء فكرة المصلحة الوطنية المشتركة التي تتجاوز الحسابات الفئوية الضيقة. وهذه ليست مهمة سهلة في بلد عانى طويلاً من الانقسامات الطائفية والسياسية، لكنها تبقى الشرط الأساسي لأي مشروع وطني قادر على الصمود. فالمجتمع الذي يشعر فيه جزء من مواطنيه بأنّ الدولة لا تمثلهم، أو بأنّ الصراع الدائر لا يعنيهم، هو مجتمع يفقد تدريجيًا قدرته على الدفاع عن نفسه.
ومن هنا فإنّ المسؤولية الفكرية والسياسية تقع اليوم على عاتق النخب اللبنانية بمختلف اتجاهاتها، لكي تعيد صياغة النقاش الوطني بطريقة تخرج به من منطق التخوين المتبادل ومن ثنائية الغلبة والهزيمة. فلبنان لا يمكن أن يُبنى على فكرة انتصار فريق داخلي على آخر، كما لا يمكن أن يُدار كأنه ساحة صراع دائم بين مشاريع متناقضة لا تلتقي إلا في لحظة الانفجار.
إنّ الطريق الواقعي لتحصين لبنان يمرّ عبر الاعتراف بأنّ جميع أبنائه، مهما اختلفت توجهاتهم السياسية أو قراءاتهم للصراع، يواجهون في النهاية خطرًا واحدًا يتمثل في العدوان الخارجي وفي احتمال انزلاق البلاد إلى فوضى داخلية. وهذه الحقيقة البسيطة، إذا أُخذت بجدية، يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لإعادة بناء حد أدنى من التوافق الوطني الذي يسمح بإدارة الخلافات دون أن تتحول إلى صراعات مدمرة.
فالبلاد التي تتعرض لعدوان لا تحتاج فقط إلى القوة العسكرية أو إلى المبادرات الدبلوماسية، بل تحتاج قبل ذلك إلى تماسك اجتماعي وسياسي يسمح لها بتحمل أعباء المواجهة. وهذا التماسك لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر الاعتراف المتبادل وبناء الثقة بين المكونات المختلفة للمجتمع.
إنّ تحصين لبنان بجميع أبنائه يعني في جوهره إعادة الاعتبار لفكرة أن الوطن ليس ملكًا لفئة دون أخرى، وأنّ الدفاع عنه مسؤولية مشتركة لا يمكن أن تُحتكر من قبل أي طرف. وحين يدرك اللبنانيون أن قوتهم الحقيقية لا تكمن في تفوق فريق داخلي على آخر، بل في قدرتهم على تحويل تنوعهم إلى عنصر قوة، عندها فقط يمكن للبنان أن يقف بثبات في مواجهة العدوان وأن يمنع تحويل صراعات الخارج إلى حروب داخلية جديدة.
ففي النهاية، لا يمكن لأي مجتمع أن يكسر العدوان الخارجي إذا كان منقسمًا على نفسه، كما لا يمكن لأي انتصار عسكري أن يتحول إلى استقرار سياسي إذا لم يستند إلى وحدة داخلية صلبة. ومن هنا فإنّ المهمة الكبرى المطروحة أمام اللبنانيين اليوم ليست فقط وقف الحرب، بل بناء القدرة الوطنية التي تجعل البلاد أقل عرضة للعدوان في المستقبل وأكثر قدرة على الدفاع عن سيادتها وكرامة شعبها.
