كتب عصام الحلبي
في السياسة، كما في التاريخ لا تأتي الخيبات فجأة، بل تتراكم بصمت حتى تنكشف دفعة واحدة، ومن بين أكثر المقولات التي اختصرت مسارًا طويلًا من الأوهام العربية تبرز مقولة “المتغطي بعباءة أمريكا عريان” لا كجملة عابرة، بل كخلاصة تجربة مريرة امتدت لعقود من الارتهان وسوء التقدير، والتعويل على حليف لم يكن يومًا محايدًا.
لقد راهنت دول عربية في مراحل مفصلية، على المظلة الأمريكية باعتبارها ضمانة للأمن والاستقرار بل وحتى للبقاء السياسي. لكن التجارب المتكررة أثبتت أن هذه العباءة لم تكن سوى غطاء هشّ، سرعان ما يتلاشى عند أول اختبار حقيقي للمصالح. فالولايات المتحدة لا تدير علاقاتها بمنطق الحماية بل بمنطق الاستخدام، ولا تمنح الضمانات بقدر ما تشتري الولاءات وتعيد ترتيبها وفقًا لتبدّل أولوياتها.
في لحظات الأزمات الكبرى، بدا هذا الإدراك واضحًا وإن جاء متأخرًا. من تخلي واشنطن عن حلفاء تقليديين، إلى إعادة تموضعها المفاجئ في ملفات حساسة، مرورًا بإدارتها للصراعات الإقليمية وفق حسابات الربح والخسارة، لا وفق معايير العدالة أو الالتزام الأخلاقي. كل ذلك كشف أن الاعتماد على الخارج مهما بلغت قوته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء قوة داخلية مستقلة.
المفارقة أن هذا الإدراك العربي رغم تكراره، ظل يتسم بالبطء والتردد. فبدلاً من أن يتحول إلى مراجعة استراتيجية شاملة، غالبًا ما بقي في إطار ردود الفعل المؤقتة أو الخطابات السياسية التي لا تجد طريقها إلى التطبيق. وكأن المنطقة محكومة بدورة متكررة من الثقة ثم الخذلان، دون أن تكتمل لحظة الوعي إلى حد القطيعة مع أسباب الضعف.
اليوم، ومع التحولات الدولية المتسارعة، من صعود قوى جديدة إلى تراجع نسبي في الهيمنة الأمريكية تبدو الفرصة متاحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة تعريف موقع العرب في العالم. ليس من موقع التابع الباحث عن مظلة، بل من موقع الشريك الذي يملك قراره ويحدد مصالحه ويبني تحالفاته على قاعدة الندية لا الارتهان.
إن العباءة التي يُفترض أن تحمي، إذا كانت مشروطة ومؤتة، تصبح عبئًا لا درعًا. والتجربة العربية مع الولايات المتحدة تقدم مثالًا صارخًا على ذلك. فحين تتغير المصالح تسقط الأقنعة، ويكتشف من احتمى بها أنه كان في الحقيقة مكشوفًا أكثر مما ظن.
في النهاية لا تكمن المشكلة في أمريكا بحد ذاتها، بل في طريقة النظر إليها. فالدول لا تُلام لأنها تسعى وراء مصالحها بل يُلام من يسلّم لها مفاتيح مصيره. وهنا، تحديدًا، يبدأ التحول الحقيقي، حين يدرك العرب أن الأمن لا يُستورد، وأن السيادة لا تُستعار، وأن العباءات المستعارة، مهما بدت فاخرة لا تقي من العراء.
