اقتصاد – وكالات
دخلت الأسواق المالية العالمية مرحلة “الاستنفار القصوى” مع ظهور تصدعات حادة في قطاع الائتمان الخاص، الذي ظل لسنوات يعمل كـ “نظام ظل” بعيداً عن الرقابة الصارمة. وتصاعدت المخاوف من انفجار أزمة مالية شاملة بعد لجوء كبار مديري الأصول في العالم، وعلى رأسهم “بلاك روك”، إلى تقييد عمليات السحب، في خطوة أعادت للأذهان ذكريات انهيار سوق الرهن العقاري عام 2007. ورغم أن حجم هذا القطاع يبلغ تريليوني دولار، إلا أن حالة الضبابية وتشابكه المعقد مع النظام المصرفي التقليدي رفعت وتيرة الذعر من انتقال العدوى إلى صلب الاقتصاد العالمي.
تبلورت ملامح الأزمة بوضوح مع إعلان شركة “بلاك روك” فرض قيود صارمة على الاسترداد من أحد صناديق ديونها الرئيسية البالغ قيمته 26 مليار دولار، بعد قفزة قياسية في طلبات السحب وصلت إلى 9.3%. وفي المقابل، حاولت “بلاكستون” احتواء الموقف عبر رفع سقف الاسترداد وضخ شركائها لـ 150 مليون دولار من أموالهم الخاصة لسد فجوة السيولة، إلا أن هذه الخطوة “الإسعافية” لم تنجح في تبديد القلق، خاصة بعد الإجراء الصادم الذي اتخذته “بلاك روك” بشطب قيمة ديون ثانوية بالكامل وتحويلها إلى “صفر” في غضون ثلاثة أشهر، مما كشف هشاشة التقييمات الورقية وأكد أن الأزمة ليست مجرد نقص نقد، بل تآكل عميق في صلب الأصول الائتمانية.
ولم تتأخر التحذيرات من داخل النظام المصرفي، حيث أطلق جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لبنك “جي بي مورغان”، تحذيراً مدوياً استند فيه إلى “نظرية الصراصير”، مشيراً إلى أن حالات الإفلاس الفردية المكتشفة مؤخراً ليست سوى نذير لعيوب هيكلية أوسع. وترجم “جي بي مورغان” هذا التوجس بخطوات عملية تمثلت في تخفيض القيمة التقديرية لقروض صناديق الائتمان وتقليص خطوط الائتمان الممنوحة لها، مما يثبت أن المخاطر انتقلت بالفعل من “نظام الظل” لتطرق أبواب البنوك الكبرى، وهو ما يتضح بجلاء في ميزانية “دويتشه بنك” الذي بلغت محفظته من الائتمان الخاص نحو 30 مليار دولار مسجلة بتكاليف لا تعكس واقع السوق المتدهور.
ويبرز قطاع البرمجيات كأحد أكثر نقاط الضعف إثارة للقلق، حيث تشكل قروض التكنولوجيا نحو 55% من بعض المحافظ الائتمانية، وهي القروض التي باتت جدواها الاقتصادية موضع شك مع ثورة الذكاء الاصطناعي. هذا التشكيك أدى لاهتزاز أسهم عمالقة مثل “كي كي آر” و”أبولو”، بالتزامن مع قفزة قياسية في معدلات التخلف عن السداد لتصل إلى 9.2% عام 2025. وتعزو شركة “بيمكو” هذا الانهيار إلى “اكتتاب سيئ للغاية” قام على فرضيات واهمة باستقرار الفائدة، وسط تقارير تتحدث عن حالات احتيال وتراخٍ في فحص الضمانات، مما تسبب في انهيار الثقة وتراجع سندات الائتمان عالي العائد بنسبة 4.1% في شهر واحد.
تأخذ الأزمة بعداً اجتماعياً خطيراً نظراً لتورط المستثمرين الأفراد الذين تم استدراجهم لهذا السوق كبديل آمن، ليجدوا أنفسهم اليوم محاصرين داخل صناديق “مغلقة البوابات”. وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، يتوقع المحللون أن يؤدي هذا التدهور إلى “تضيق ائتماني” حاد، حيث ستتوقف الصناديق عن الإقراض وترفع البنوك معاييرها، مما سيحرم آلاف الشركات المتوسطة من التمويل الحيوي، ويضع الاقتصاد العالمي وجهاً لوجه مع شبح “الركود التضخمي” في ظل تقلبات أسعار الطاقة والاضطرابات الجيوسياسية الراهنة.
