خاص مركز بيروت لأخبار
شهدت الساعات الماضية سلسلة تصريحات لافتة لقائد القيادة المركزية الأمريكية، نقلتها قناة الجزيرة، تحدث فيها عن تراجع القوة القتالية الإيرانية، وتدمير آخر سفينة من فئة سليماني، مؤكداً أن الأسطول الإيراني أصبح خارج المعركة بالكامل.
إلا أن مراجعة الوقائع الميدانية والتقارير المستقلة تُظهر صورة أكثر تعقيداً مما عكسته التصريحات الرسمية الأمريكية.
أولاً: عن تراجع القوة القتالية الإيرانية
قال قائد القيادة المركزية إن القوة الأمريكية “في ازدياد” بينما تتراجع القوة الإيرانية.
الواقع يشير إلى أن إيران تكبّدت خسائر كبيرة في البحر نتيجة ضربات جوية وصاروخية أمريكية دقيقة، شملت فرقاطات، سفناً لزرع الألغام، وغواصات صغيرة.
لكن في المقابل، لا تزال إيران تمتلك قدرات تشغيلية تعتمد على زوارق سريعة، وحدات صاروخية ساحلية، ومسيرات بعيدة المدى، ما يعني أنّ قوتها لم تُشل بالكامل، بل انتقلت إلى نمط قتال غير متماثل.
ثانياً: القضاء على “نفوذ إيران” وتراجع المسيرات والصواريخ
يشير القائد إلى ضربات “يومية” ضد الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية.
التحليلات العسكرية المستقلة تؤكد فعلاً أنّ موجة الصواريخ الأولى كانت كثيفة، ثم تراجعت وتيرة الإطلاق الإيراني بعد الأيام الأولى للحملة—لكن هذا لا يعني انتهاء القدرة تماماً، بل إعادة تموضع وانتقال إلى ضربات محدودة لاستنزاف صواريخ الدفاعات الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي فرغت منها المخازن الأمريكية والإسرائيلية ولاقت أصداء واعتراضات واسعة من نواب في الكونغرس الأمريكي مما يجعل أمريكا بلا غطاء دفاعي في حال تعرضها لأي هجوم عليها.
ثالثاً: ضرب أكثر من 5500 هدف… منها 60 سفينة
هنا تتضح أول علامات المبالغة:
-
البيانات الأمريكية كانت قد تحدثت خلال الأيام الماضية عن تدمير عشرات السفن والزوارق، وليس 60 سفينة كبيرة بالمفهوم التقليدي مما يؤكد أن ضباط ترامب يعتمدون أسلوب المبالغة والبروباغندا لترويع الخصم وخلخلة الداعمين له من خلال اظهار ضعفه إلا أن الحقائق الميدانية تؤكد غير ذلك تماماً.
-
الكثير من تلك “السفن” المستهدفة هي عملياً زوارق سريعة وزوارق لزرع الألغام، وليست قطعاً رئيسية من أسطول البحرية الإيرانية، يعني زوارق صغيرة لشخصين. بالتالي، فرئيس الأركان يعتبر حتى الزوارق الصغير هي قطع بحرية ويقارنها بأسالطيل فيما الحقيقة أنها لا تعدو عن كونها زوارق أوجدت لزرع الألغام ولا تمثل ترسانة الأسطول البحري الإيراني والكل في المنطقة رأى ويعرف تلك الزوارق ولاسيما الدول المطلة على الخليج.
رابعاً: تدمير آخر سفينة من فئة سليماني والقول إن “الأسطول الإيراني كله خارج المعركة”
هذا هو الادعاء الأكثر تضخيماً وتبجحاً بالنسبة لرئيس أركان دولة عظمى وهو يدرك ضمنياً أنه يكذب بطلب من إدارة ترامب، أو كما يفعل مسؤوله المباشر وزير الحرب الأمريكي الذي وصفته الغارديان سابقاً بـ “الرجل الحطير جداً“، إلا أن الواقع والمعطيات الموثوقة لدى مصادر محايدة للصراع تشير إلى:
-
تم غرق فرقاطات إيرانية رئيسية بينها قطع من فئة “سليماني”، وفق مصادر متعددة.
-
تم تدمير أو تعطيل عدد من سفن الإمداد، سفن زرع الألغام، وزوارق هجومية.

-
لكن قوة بحرية واسعة من الحرس الثوري—وهي تعتمد على أسراب من الزوارق السريعة—لا تزال قيد العمل ولم تدمر بالكامل حتى أن القطع البحرية الكبيرة لا تزال بكامل جاهزيتها ولم تتلقى الأوامر بعد للتحرك وقد تشاهد قريباً في حال قررت إيران إغلاق مضيق هرمز بالكامل أو في حال أي مواجهات بحرية مرتقبة.
واللافت هنا أنه حتى المصادر العسكرية الغربية نفسها تؤكد أن إيران ما زالت تملك:
-
زوارق هجومية غير تقليدية
-
وحدات صاروخية بحرية متنقلة
-
منصات بحرية صغيرة تستخدم للمفاجأة والكمائن
لذلك، فمحاولة خداع دافعي الضرائب الأمريكيين والايحاء لممولي الحرب بالقوة الساحقة الأمريكية بقولها إن “الأسطول الإيراني كله خارج المعركة”، إنما تتعارض مع صورة الواقع الميداني كما تنقلها مصادر دفاعية مستقلة وتحاول استنزاف خزائنهم أكثر فأكثر كرمى لعيون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
خامساً: استمرار استهداف المدنيين في الخليج
قال قائد القيادة المركزية إن إيران “تستهدف عمداً المدنيين الأبرياء في دول الخليج”، وهو اتهام سياسي ليس عسكري تقني وفق شهود عيان في الخليج وهم من صور مئات الفيديوهات لاستهداف منصات وقواعد أمريكية في بلدانهم وانتشرت بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي لدرجة أن دولاً مثل الكويت قامت باعتقال عدد من هؤلاء الناشطين لنشرهم مقاطع فيديو وصور لأماكن سقوط الصواريخ الإيرانية بناء على طلب أمريكي وبتوجيه من البنتاغون لتسويق فكرة أن طهران تقصف جيرانها. والواقع حتى الآن أن واشنطن لم تتمكن من تقديم دليل مادي واحد على صحة إدعاءاتها ولم تسمح لباحثين من تقصي الحقائق والتأكد من صدق رواية إدارة ترامب.

في الخليج الكل يدرك أن الصواريخ الإيرانية استهدفت قواعد ومنصات صواريخ ومطارات أمريكية استخدمت في الهجوم على إيران وهو أمر سبق لطهران من التحذير من تداعياته وسبق لها أيضاً أن حذرت الدول المجاورة من السماح لهذه القواعد باستهدافها، مما يجعل تصريحات رئيس الأركان وفريق بوش الاستعراضي أقرب إلى تصريحات جورج دبليو بوش إبان غزو العراق عام 2003 وما حاكه من سيناريوهات حول أسلحة الدمار الشامل العراقية لتبرير الغزو.
وبالتالي، فإن تصريحات القيادة المركزية الأمريكية تجمع بين حقائق مؤكدة عن ضربات أمريكية واسعة استهدفت قدرات بحرية إيرانية وأغرقت بعض الفرقاطات ومبالغات سياسية واضحة تدعي بتدمير الأسطول الإيراني كله من خلال اعتماد أسلوب الترقيم لتأكيد المصداقية إضافة إلى أنها تحازل الايحاء بأن النفوذ البحري الإيراني تراجع بالكامل وهو أمر مبالغ فيه فهو لم يمحى ولم يتراجع وإنما تتحرك طهران وفق تكتيكات تراعي الاستنزاف الطويل لأقوى جيوش في العالم تقف ضدها.
