باسم الموسوي
مقدمة: حين يصبح الطفل هدفاً
في كل حرب تشنّها “إسرائيل”، يتصدّر مشهدٌ واحد الصورةَ بإصرار مريب: جثث الأطفال. ليس الأطفال ضحايا عرضيين لمعارك دائرة في محيطهم، بل هم في أحيان كثيرة الهدف المباشر، والرسالة الأوضح. يدفع هذا التكرار المنهجي إلى طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام إخفاقات عسكرية أم أمام منطق مقصود؟ وإذا كان مقصوداً، فما الأُطر الفكرية والأيديولوجية التي تُجيزه وتُبرّره؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا يكفي تحليل القرارات العسكرية الميدانية، بل لا بد من الغوص في عمق البنية الأيديولوجية الصهيونية بتشعّباتها الدينية والسياسية والاستعمارية، لفهم كيف يُعاد تعريف الطفل “العدو” حتى يصبح قتله مسوّغاً، بل مطلوباً.
أولاً: التمييز الضروري بين الاستراتيجيا والأيديولوجيا
قبل كل شيء، ثمة تمييز منهجي لا غنى عنه: الفرق بين ما تفعله المؤسسة العسكرية الإسرائيلية استناداً إلى حسابات ميدانية وضرورات عملياتية، وما يُبرَّر داخل المجتمع الإسرائيلي استناداً إلى مرجعيات أيديولوجية ودينية. الأول ميدان علم الاستراتيجيا، والثاني ميدان علم الأيديولوجيا. وكلاهما ضروري لفهم الصورة الكاملة.
حين يقتل جندي طفلاً داخل مستشفى أو في حضن أمه، قد تدّعي المؤسسة العسكرية “الخطأ” أو “التقدير الخاطئ”، لكن حين يتكرر هذا المشهد آلاف المرات عبر عقود في غزة ولبنان والضفة الغربية، يغدو الحديث عن الخطأ العرضي ضرباً من الاستخفاف بالعقول. وهنا يبدأ دور التحليل الأيديولوجي في الكشف عمّا يختبئ خلف الممارسة المتكررة.
ثانياً: الموروث الديني وإشكالية “الإبادة المقدسة”
لا يمكن فهم بعض التيارات داخل “إسرائيل” دون استحضار الموروث التوراتي الذي يُستدعى لتبرير العنف. ففي صلب بعض النصوص الدينية اليهودية القديمة قصصٌ تأمر بالإبادة الشاملة للعدو، “رجالاً ونساءً وأطفالاً ورُضَّعاً”. قصة العماليق النموذج الأبرز في هذا السياق، وهي قصة تصف أمراً إلهياً بالمحو التام لشعب بأسره، دون استثناء أحد.
اليوم، يعود قادة التيار الديني المتطرف داخل “إسرائيل” إلى هذه النصوص ليُسقطوها على الواقع الفلسطيني. يُعرَّف الفلسطيني بوصفه “عماليقياً” جديداً يستوجب المحو، وهو ما يُعرفه الباحثون في الدراسات السياسية بـ”الإبادة المقدسة”، أي تلك الإبادة التي تُكتسب شرعيتها من الأمر الإلهي لا من اعتبارات السياسة أو الاستراتيجيا. وحين تُفهم الإبادة على هذا النحو، يصبح الطفل جزءاً من المحو المطلوب، لأنه ببساطة ينتمي إلى الجماعة التي صدر الأمر بمحوها.
ومن اللافت أن هذا الخطاب لم يعد حكراً على هوامش المجتمع الإسرائيلي، بل بات يُعبَّر عنه بصراحة من منابر رسمية وشبه رسمية. وزراء في الحكومة الإسرائيلية صرّحوا علناً بأن لا أبرياء في غزة، وأن الطفل الفلسطيني “بذرة إرهاب” مستقبلية. هذا الخطاب لا يصف الواقع، بل يؤسّس له ويُهيّئ النفوس للقبول به.
ثالثاً: مسيحانية الزمن الأخير وتسريع الخلاص بالدم
يُضاف إلى ذلك تيار آخر لا يقل خطورة: المسيحانية السياسية داخل الصهيونية الدينية المتطرفة. يعتقد أصحاب هذا التيار أن البشرية تعيش زمن “آخريت هيامين”، أي آخر الأيام التي تسبق مجيء المسيح (أو المشيَّح بالمصطلح العبري) للمرة الأولى في الفكر اليهودي. وفي هذا الإطار الفكري، يُنظر إلى الحرب والعنف والدمار لا بوصفها شروراً يجب تفاديها، بل بوصفها أدواتٍ لـ”تسريع الخلاص”.
المنطق هنا مزعزع من أساسه: إذا كان الدمار الشامل شرطاً لمجيء المخلّص، فإن ترويع الأطفال وقتلهم يتحوّل في هذه العقلية المريضة إلى عبادة وقربى. القوانين الدولية في هذا السياق لا قيمة لها، لأنها “قوانين الأغيار”، أي قوانين غير اليهود التي لا تسري على “شعب الله المختار”. وهكذا يُولد إطار أيديولوجي يُعفي أصحابه من كل التزام أخلاقي أو قانوني تجاه ضحاياهم.
رابعاً: المنطق الاستعماري الاستيطاني وضرورة محو المستقبل
بمعزل عن الأُطر الدينية، ثمة تحليل آخر ينتمي إلى علم الاجتماع السياسي وإلى نظرية الاستعمار الاستيطاني. يقوم هذا الاستعمار في جوهره على مبدأ الإحلال: لا يكتفي بالسيطرة على الأرض واستغلال سكانها كما فعل الاستعمار الكلاسيكي، بل يسعى إلى استبدال السكان الأصليين بالمستوطنين الجدد. وهذا ما يفرّق الحالة الإسرائيلية عن كثير من تجارب الاحتلال الأخرى.
في منطق الاستعمار الاستيطاني، الطفل الفلسطيني ليس مجرد ضحية محتملة للحرب، بل هو تهديد وجودي مستقبلي للمشروع الاستيطاني برمّته. هو “القنبلة الديموغرافية” التي يتحدث عنها المخططون الإسرائيليون بصراحة منذ عقود. حين يولد طفل فلسطيني، يرى فيه المتطرفون الإسرائيليون مقاتلاً محتملاً، ووارثاً لذاكرة المقاومة، وحلقةً في سلسلة الوجود الفلسطيني التي يسعون إلى قطعها.
لذا، يغدو استهداف الأطفال في هذا المنطق ليس جريمة حرب عرضية، بل استراتيجية وجودية تنبثق من صلب المشروع الاستيطاني نفسه. إنه استهداف للمستقبل قبل أن يتشكّل، وإجهاض للاستمرارية الفلسطينية في مهدها.
خامساً: “كيّ الوعي” – العنف بوصفه رسالة
يستخدم بعض الباحثين الإسرائيليين أنفسهم مفهوم “كيّ الوعي” لوصف ما تفعله المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حين تستهدف المدنيين بصورة ممنهجة. المفهوم بالغ الدلالة: الكيّ هو الحرق الذي يُميت الخلايا ويمنع النمو، ويُستخدم طبياً لإيقاف النزيف. وكأن الرسالة هي: سنحرق وعيكم الجماعي، سنُميت قدرتكم على التخيّل والمقاومة والاستمرار.
في هذا السياق، يؤدي قتل الأطفال وظيفة نفسية وسياسية محددة: إشعار المجتمع بأن ثمن المقاومة هو فقدان أعز ما يملك. الأب الذي شاهد طفله يُقتل أمام عينيه لن يُلغى حضوره فحسب، بل سيحمل رسالة الرعب إلى محيطه كله. وهكذا يُحوَّل الطفل من إنسان إلى رسالة، ومن ضحية إلى أداة في حرب نفسية شاملة تستهدف الإرادة الجماعية قبل أي هدف عسكري.
هذا المنطق ليس جديداً في تاريخ الاستعمار؛ فعقيدة العقاب الجماعي سبق أن طُبِّقت في الجزائر وكينيا وفيتنام. لكن ما يميز الحالة الإسرائيلية هو التوليف الفريد بين هذا المنطق الاستعماري البارد والغطاء الديني الذي يضفي عليه طابع القداسة والإلزام الإلهي.
سادساً: الأطفال والذاكرة – استهداف رواية المستقبل
ثمة بُعد آخر يغيب عن كثير من التحليلات: البُعد الثقافي والرمزي. الأطفال في كل مجتمع هم حاملو الذاكرة إلى المستقبل. هم الذين سيروون لأبنائهم ما جرى، وسيحملون اسم الجد الشهيد، وسيعرفون أسماء القرى المهجَّرة والأرض المغصوبة. استهداف الأطفال إذاً هو استهداف للرواية الفلسطينية قبل أن تُكتب، وإجهاض للذاكرة الجماعية في أكثر حلقاتها هشاشةً وأكثرها حيويةً في آنٍ معاً.
من هنا يبدو أن المشروع الصهيوني يعاني تناقضاً عميقاً لا حل له: فهو يريد أرضاً بلا شعب، لكن الشعب موجود ومتجذّر وقادر على الإنجاب والتكاثر والتذكّر. ولأن الطرد الكامل بات مستحيلاً في عالم يُراقِب ويُوثّق، يصبح المسعى إلى كسر الإرادة وتدمير الأجيال القادمة هو البديل الوظيفي للتهجير الكامل.
خاتمة: أسئلة لا يمكن التهرب منها
ما يجري في غزة ولبنان وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة ليس مجرد صراع عسكري بين طرفين متقاتلين. هو مشروع ممنهج يمتلك أُطره الأيديولوجية الدينية، ومنطقه الاستعماري الاستيطاني، وأدواته النفسية في كيّ الوعي الجماعي. واستهداف الأطفال في هذا السياق ليس هامشاً طارئاً، بل هو في كثير من الأحيان يقع في صميم هذا المشروع وليس على هامشه.
الأسئلة التي تفرضها هذه الحقائق ليست أسئلة أكاديمية باردة: كيف يُفكّك المجتمع الدولي الغطاء الأيديولوجي الذي يجعل قتل الأطفال مقبولاً بل مطلوباً في بعض الأوساط؟ كيف يُحاسَب من يُحوّل النصوص الدينية إلى وقود للإبادة؟ وكيف يُوقَف مشروع استعماري استيطاني يرى في الطفل البريء تهديداً وجودياً يستوجب الإزالة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مجرد واجب أكاديمي أو أخلاقي، بل هي شرط من شروط البقاء الإنساني في عالم يتآكل فيه الحد الفاصل بين المدني والمقاتل، وبين الطفل البريء والعدو المفترض.
ملحق شواهد
أولاً: الشواهد من النصوص التوراتية والتلمودية
1. قصة العماليق (صموئيل الأول، الإصحاح 15)
النص الحرفي يقول على لسان النبي صموئيل موجّهاً الكلام لشاؤول:
“اذهب الآن واضرب عماليق وحرّموا كل ما له ولا تعفُ عنهم بل اقتل رجلاً وامرأةً، طفلاً ورضيعاً، بقراً وغنماً وجملاً وحماراً.”
هذا النص هو المرجع الأكثر استحضاراً من قِبَل الحاخامات المتطرفين لتبرير القتل الجماعي، وهو ما يُعرف في الأدبيات الدينية بـ”حرم” أي الإبادة المقدسة المأمور بها.
2. سفر التثنية (الإصحاح 20)
يتضمن تشريعاً للحرب يُفرّق بين المدن البعيدة والمدن القريبة، وفي المدن القريبة (أرض كنعان) يأمر:
“لا تُبقِ منها نسمة ما، بل تُحرّمها تحريماً: الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين واليبوسيين.”
الاستيطانيون يُطبّقون هذا النص على الفلسطينيين بوصفهم “الكنعانيين الجدد”.
3. التلمود البابلي – مسألة “روديف”
مفهوم الـ”روديف” (المُطارِد أو المُهدِّد) يُجيز قتل من يُشكّل تهديداً. بعض الحاخامات وسّعوا هذا المفهوم ليشمل الأطفال بحجة أنهم “مطاردون مستقبليون”. الحاخام يسرائيل هس كتب عام 1980 مقالاً بعنوان صريح: “مِتسفات هاإبادة بتوراة إسرائيل” (مبدأ الإبادة في توراة إسرائيل) مستنداً إلى هذه النصوص.
ثانياً: فتاوى وأقوال حاخامية معاصرة
1. الحاخام دوف ليئور
حاخام كريات أربع (الخليل)، من أبرز مرجعيات المستوطنين، أجاز صراحةً قتل المدنيين الفلسطينيين بمن فيهم الأطفال في زمن الحرب، مستنداً إلى مبدأ “دين رودف”.
2. كتاب “تورات هاملخ” (توراة الملك) – 2009
كتاب أصدره الحاخامان يتسحاق شابيرا وياكوف يوسف، وفيه فصل كامل بعنوان صريح يُجيز قتل أطفال الأعداء، بالحجة التالية الحرفية تقريباً:
“يجوز قتل الأطفال غير اليهود حين يكون واضحاً أنهم سينمون ليُؤذوا إسرائيل.”
الكتاب صودر في البداية ثم أُعيد تداوله، وحاكمت السلطات الإسرائيلية مؤلفيه لكنها أفرجت عنهما لاحقاً.
3. الحاخام عوفاديا يوسف (زعيم شاس الروحي)
رغم كونه من التيار السفاردي الأقل تطرفاً، أصدر فتاوى تُقلّل من إنسانية غير اليهود، وقال إن الأغيار “وُجدوا ليخدموا اليهود”.
4. الحاخام مائير كاهانا (مؤسس كاخ)
أسس مذهباً صريحاً يقوم على:
∙ الفلسطينيون ليسوا بشراً بالمفهوم الديني الكامل
∙ يجب ترحيلهم أو إبادتهم
∙ قتلهم ليس محرّماً بل واجباً دينياً في بعض الحالات
كاهانا اغتيل لكن مدرسته “الكاهانية” لا تزال حية في أحزاب مثل “عوتسما يهوديت” بقيادة إيتمار بن غفير.
ثالثاً: تصريحات سياسية مؤسَّسة على هذه العقيدة
1. إيلي يشاي (وزير الداخلية الأسبق):
“هدفنا هو إعادة غزة إلى العصور الوسطى.”
2. غيلا غمليئيل (وزيرة الاستخبارات 2023):
طرحت خطة رسمية لتهجير سكان غزة إلى سيناء وتصفية من يرفض.
3. يوآف غالانت (وزير الدفاع، أكتوبر 2023):
“نحن نحارب حيوانات بشرية وسنتصرف على هذا الأساس.”
سلب الإنسانية هو الخطوة الأيديولوجية الضرورية قبل الإبادة، وهو ما وثّقه المفوض السامي لحقوق الإنسان صراحةً.
4. بنيامين نتنياهو (أكتوبر 2023):
استحضر صراحةً نص العماليق في خطابه أمام الجنود قبيل اجتياح غزة، وهو ما وثّقته صحيفة هآرتس الإسرائيلية نفسها بالنص العبري.
رابعاً: المفهوم العقدي “يש מגיפה” والديموغرافيا كتهديد وجودي
في الفكر الصهيوني المتطرف، ثمة مفهوم يُعرف بـ”القنبلة الديموغرافية”، وهو يقوم على:
∙ الطفل الفلسطيني ليس طفلاً بريئاً بل “بذرة تهديد”
∙ الإنجاب الفلسطيني حرب بيولوجية ضد “إسرائيل”
∙ لذا، قتل الأطفال يُقرأ عقدياً بوصفه “دفاعاً وقائياً” لا إبادةً
هذا ما قاله صراحةً مستوطنون على الكاميرا، وما يُعلَّم في بعض المدارس الدينية في المستوطنات.
خلاصة تحليلية
ما يُميّز هذه الظاهرة هو التوليف الخطير بين ثلاثة عناصر:
النص الديني (توراة وتلمود) ← يُقدّم الإبادة بوصفها أمراً إلهياً
الفتوى الحاخامية ← تُعيد إنتاج النص وتُحدّثه وتُطبّقه على الفلسطينيين تحديداً
السلطة السياسية ← تستعير هذا الخطاب لتبرير قراراتها أمام الرأي العام الإسرائيلي
والنتيجة منظومة أيديولوجية متكاملة تجعل قتل الطفل الفلسطيني في نظر كثيرين داخل “إسرائيل” فعلاً مُبرَّراً دينياً، ومحمياً سياسياً، ومطلوباً استراتيجياً في آنٍ واحد.
