كتب عصام الحلبي

في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة التي طالت أحياء سكنية ومؤسسات اجتماعية واقتصادية وإنسانية وخدماتية في أكثر من منطقة لبنانية، لم تعد المخيمات الفلسطينية بمنأى عن تداعيات المشهد الأمني العام المتصاعد. من صيدا إلى صور، ومن النبطية إلى محيط بيروت، إلى البقاع يسود شعور ومناخ قلق مشروع يفرض مقاربة فلسطينية مسؤولة وسريعة، تستند إلى وحدة القرار وتنظيم وتنسيق الجهد، لا إلى ردود فعل متفرقة، ومبادرات متفرقة.
المقصود بالأوضاع الأمنية هنا ليس إشكالات داخلية عابرة، بل جو عام من التوتر ناتج عن استهداف بنى تحتية مدنية لبنانية، ما يجعل المخيمات بكثافتها السكانية العالية وبناها التحتية المحدودة أكثر عرضة للتداعيات الإنسانية والاجتماعية في حال اتساع رقعة المواجهة الأمنية. في هكذا ظرف، لا يكفي التضامن اللفظي أو البيانات، بل تصبح خطة الطوارئ ضرورة وجودية ملحة لحماية الناس وصون الاستقرار.
من هنا يتوجب التأكيد بشدة و بوضوح أن قيادة أي خطة طوارئ داخل المخيمات يجب أن تكون بيد منظمة التحرير الفلسطينية التي عليها أن تبادر فورا، بصفتها الممثل الرسمي والشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. هذا الدور ليس عنواناً سياسياً فحسب، بل مسؤولية وطنية وأنسانية مباشرة في توحيد المرجعيات، وضبط الإيقاع، ومنع الازدواجية أو التنافس غير المنظم في إدارة الأزمة.
إن قيادة منظمة التحرير لخطة الطوارئ تعني إنشاء إطار مركزي منظم داخل لبنان، يضم الفصائل الفلسطينية، واللجان الشعبية، ومؤسسات المجتمع الأهلي والمدني، ويعمل بتنسيق واضح مع الجهات اللبنانية ذات الإختصاص، بما يحصّن الاستقرار الداخلي للمخيمات. وحدة القيادة في الأزمات ليست ترفاً تنظيمياً، بل شرطاً أساسياً للفعالية والانتاجية والصدقية.
وفي هذا السياق، تتحمل مؤسسات المجتمع الأهلي والمدني الفلسطينية جزءاً أصيلاً من المسؤولية الوطنية، فهي تمتلك إمكانيات مادية، وشبكات دعم، وكوادر بشرية متخصصة في العمل الصحي والاجتماعي والتربوي والإغاثي، ما يؤهلها للانخراط الفاعل في تنفيذ خطة الطوارئ. لكن هذا الانخراط يحتاج إلى مظلة سياسية جامعة تنظمه وتنسق بين مكوناته، وتضمن توزيع الموارد بعدالة وكفاءة، وهذه المظلة لا يمكن أن تكون إلا منظمة التحرير الفلسطينية.
إن المطلوب اليوم ليس فقط إدارة طارئة للأزمة، بل رؤية متكاملة تشمل شبكات أمان اجتماعي ملحةو عاجلة، لجان استجابة ميدانية، آليات تنسيق صحية وإغاثية، وتعزيز الوعي المجتمعي للتعامل مع أي تصعيد محتمل. وفي موازاة ذلك، يجب تثبيت الموقف الوطني الجامع، حماية المخيمات من اي امتدادات لما يجري وحفظها من الفوضى، التمسك بحق العودة، رفض التوطين، والمطالبة بالحقوق الإنسانية الكاملة للاجئين في لبنان.
لبنان يمر بمرحلة دقيقة، وأي استهداف للأحياء السكنية والمؤسسات الخدمية يضع الجميع أمام اختبار المسؤولية. أما المخيمات الفلسطينية، التي عاشت عقوداً من الهشاشة والتهميش، فلا تحتمل مزيداً من التشتت في القرار وخاصة في ظل هذه الظروف. المطلوب مرجعية واحدة، وخطة طوارئ معلنة وواضحة المعالم، تقودها منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع، القادر على تحويل القلق إلى تنظيم، والتضامن إلى برنامج عمل يحمي الناس ويصون كرامتهم واستقرارهم.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com