لم يعد تقنين الكهرباء في سوريا يُفرض بقرار رسمي، فالتغذية الكهربائية اليوم تصل إلى نحو 20 ساعة يومياً مقابل أربع ساعات قطع فقط. لكن المفارقة أن السوريين باتوا هم من يقنّنون استهلاكهم «عن سابق إصرار»، عبر فصل القواطع وإطفاء الأجهزة، بعدما أصبحت فاتورة الكهرباء تلتهم ما يقارب 80% من راتب الموظف.
بعد سنوات كانت الكهرباء خلالها لا تصل سوى لخمس ساعات يومياً، تبدّل المشهد: التيار متوافر بمعظمه، لكن كلفته المرتفعة حوّلته إلى عبء معيشي ثقيل. فمتوسط الراتب الذي يدور حول مليون ليرة سورية، يكاد يعادل قيمة فاتورة شهرية لعائلة تستهلك الكهرباء باعتدال، فيما قد تتجاوز الفاتورة ملايين الليرات لمن يستخدم التدفئة أو تسخين المياه أو الطهي الكهربائي.
من دعم واسع إلى تعرفة مرتفعة
في السابق، كان احتساب الاستهلاك يتم وفق شرائح منخفضة الكلفة:
- من 0 إلى 600 كيلوواط: 10 ليرات للكيلوواط ساعة.
- من 601 إلى 1000 كيلوواط: 25 ليرة للكيلوواط ساعة.
أما اليوم، فاعتمدت تعرفة جديدة تقفز فيها الأسعار بشكل كبير:
- الشريحة الأولى (الاستهلاك المنخفض): 600 ليرة للكيلوواط ساعة.
- الشريحة الثانية: 1400 ليرة.
- الشريحة الثالثة (للمؤسسات): 1700 ليرة.
- الشريحة الرابعة (للمعامل الكبرى): 1800 ليرة.
وبحسب هذه التسعيرة، فإن أسرة تستهلك نحو 450 كيلوواط شهرياً ستدفع قرابة 400 ألف ليرة شهرياً، أي حوالى 800 ألف ليرة كل شهرين، وهو مبلغ يوازي تقريباً راتب موظف كامل.
تُرجع الحكومة رفع التعرفة إلى توقف الإمدادات النفطية الإيرانية بعد سقوط النظام السابق، وإلى خسائر سنوية تقارب ملياري دولار، إضافة إلى فاقد في الشبكات يتجاوز 30%. كما تشير إلى أن سعر بيع الكيلوواط سابقاً كان أقل بكثير من كلفة إنتاجه، ما خلق فجوة تمويلية لم يعد بالإمكان تغطيتها مع تراجع الإنتاج المحلي من الغاز وارتفاع أسعار الوقود.
وتؤكد وزارة الطاقة أن تعديل التعرفة خطوة إصلاحية تهدف إلى استدامة القطاع وتحقيق توازن بين الدعم والكلفة الفعلية، ضمن خطة لإعادة هيكلة البنية التحتية وتقليص الهدر.
إلا أن هذا «الإصلاح» انعكس مباشرة على جيوب المواطنين، فباتت الكهرباء خدمة متاحة تقنياً، لكنها مُكلفة اجتماعياً، تدفع كثيرين إلى تقليص استهلاكهم إلى الحد الأدنى.
أمام هذا الواقع، تحوّلت الكهرباء إلى استخدام للضرورات فقط: البراد يعمل، أما المدفأة وسخان المياه فوفق جدول صارم، والإنارة تقتصر على الغرف المشغولة. وفي المقابل، يتزايد الإقبال على الطاقة الشمسية رغم كلفتها المرتفعة، إذ يتجاوز تركيب نظام منزلي بسيط 1500 دولار، وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الموظفين الذين لا يتعدى دخلهم الشهري 100 دولار.
لذلك يلجأ بعض السوريين إلى بيع مدخراتهم أو الاستعانة بحوالات المغتربين لتأمين تكلفة الألواح الشمسية، باعتبارها استثماراً طويل الأمد أقل كلفة من فواتير الكهرباء المتراكمة.
هكذا، لم يعد السؤال في سوريا: «هل هناك تقنين؟» بل «من يستطيع تحمّل ثمن الكهرباء؟». فالتيار حاضر في الأسلاك، لكنه غائب عن القدرة الشرائية.
