خاص مركز بيروت للأخبار
استؤنفت المفاوضات بين واشنطن وطهران بعد توقف دام نحو ثلاث ساعات خُصّص للتشاور، في مشهد يعكس دقة اللحظة وخطورة التفاصيل المطروحة. صحيح أن الطرفين تجنّبا الانهيار الكامل للمحادثات، لكنهما لم يحققا أي اختراق حقيقي. الحوار مستمر… غير أن المفاوضات تجري عملياً تحت ظل تهديد عسكري أمريكي مباشر، في واحدة من أكثر جولات الأزمة النووية توتراً منذ سنوات.
المفاوضات تحت الضغط: تجنّب الانهيار من دون اختراق
على مستوى الشكل، نجح المفاوضون في منع انهيار الجولة الحالية أو وصولها إلى طريق مسدود، رغم الهوة الواسعة والتصعيد السياسي الذي سبقها، بالتوازي مع حشد عسكري أمريكي واسع في المنطقة.
غير أن التعليق المؤقت للجلسات عكس عمق التباين في المقاربات. المقترحات الأمريكية قوبلت برفض أو تحفظ إيراني، والعكس صحيح. واشنطن دفعت بعنوان عريض يتمثل في تفكيك عناصر أساسية من البرنامج النووي الإيراني، ونقل مخزون اليورانيوم العالي التخصيب إلى خارج البلاد، وتجميد عمليات التخصيب لفترة غير محددة وبنسب لم يُحسم أمرها بعد.
هذه الشروط اعتبرتها طهران غير مقبولة بصيغتها المطروحة، ووصفتها بأنها تمسّ جوهر “الحقوق السيادية” في التكنولوجيا النووية السلمية، ما وضع عقدة تفاوضية مركزية في قلب الجولة الحالية.
في المقابل، تؤكد إيران استعدادها لتقديم ضمانات موسّعة تثبت عدم سعيها لامتلاك سلاح نووي، عبر رقابة مشددة وتعاون كامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرة أن الإشراف الدولي كافٍ إذا كان الهدف هو التأكد من الطابع السلمي للبرنامج. غير أن واشنطن ترى أن هذه الضمانات لا ترقى إلى مستوى تبديد الشكوك بالكامل.
واشنطن ترفع السقف… وطهران تُظهر “مرونة محسوبة”
بالتوازي مع المسار التفاوضي في جنيف، رفعت إدارة دونالد ترامب مستوى الضغط السياسي والعسكري، محددة مهلة زمنية قصيرة للتوصل إلى اتفاق، ومحذرة من “عواقب وخيمة” في حال الفشل.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اعتبر أن تجاهل ملف الصواريخ الباليستية يمثل “مشكلة كبيرة”، مؤكداً أن التقدم في النووي وحده قد لا يكون كافياً لإغلاق بقية الملفات الحساسة.
في المقابل، يقود وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التفاوض برسالة مزدوجة: استعداد للاتفاق “العادل والسريع”، لكن من دون التنازل عن حق التخصيب داخل إيران. وهو طرح يعكس معادلة إيرانية دقيقة: إبداء مرونة تكتيكية لتجنب ضربة عسكرية، مع الحفاظ على الثوابت الاستراتيجية.
أزمة ثقة أعمق من الخلاف التقني
بعيداً عن الأرقام ونسب التخصيب، تكمن المعضلة الحقيقية في فجوة الثقة. الإيرانيون يستحضرون تجربة الانسحاب الأمريكي السابق من الاتفاق النووي، ويخشون تكرار السيناريو. أما واشنطن فتتعامل بحذر مع نيات طهران بعيدة المدى، وتطالب بضمانات تتجاوز النصوص التقنية.
المرشد الإيراني السيد علي الخامنئي يواجه في الداخل ضغوطاً اقتصادية متصاعدة وعقوبات خانقة، ما يجعل أي قرار استراتيجي محفوفاً بكلفة سياسية واقتصادية عالية. في المقابل، تحتاج الإدارة الأمريكية إلى اتفاق يُظهر الحزم لا التنازل.
النفط والردع… حسابات تتجاوز النووي
التصعيد العسكري الأمريكي – عبر تعزيز الانتشار البحري والجوي في الشرق الأوسط – ألقى بظلاله على أسواق الطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط وسط مخاوف من تعطّل الإمدادات في حال انزلاق الأمور إلى مواجهة مفتوحة.
وهكذا، لم تعد المفاوضات مجرد نقاش تقني حول أجهزة طرد مركزي، بل أصبحت اختباراً للتوازن الإقليمي بين الردع والانفجار.
مفاوضات بلا اختراق… وضغط بلا ضمانات
استمرار الحوار منع الانهيار، لكنه لم يُنتج تقدماً فعلياً. وبينما ترفع واشنطن شعار الدبلوماسية، فإن مقاربتها القائمة على الحشد العسكري والمهل الضيقة تضع العملية التفاوضية في مسار محفوف بالمخاطر. الرسالة الواضحة أن التهديد قد يفتح باب التفاوض… لكنه لا يصنع اتفاقاً مستداماً.
