خاص مركز بيروت للأخبار- وكالات

إعداد: MZA

في لحظة دولية مشحونة تتقاطع فيها الحروب الإقليمية مع إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي، يعود ملف السلاح النووي الصيني إلى صدارة المشهد، لا بوصفه ملفا تقنياً في أروقة الدبلوماسية، بل كعنوان صدام استراتيجي مفتوح بين أكبر قوتين في العالم. تحذيرات أمريكية متصاعدة، واتهامات علنية بالتوسع “غير الشفاف”، يقابلها رفض صيني قاطع وتشكيك في النوايا الأمريكية. وبين الروايتين، تتسع فجوة الردع النووي وتتعقد معادلة ضبط التسلح في مرحلة ما بعد المعاهدات التقليدية.

صحيفة ذا تايمز البريطانية نقلت عن مسؤول أمريكي رفيع أن الصين توسّع ترسانتها النووية بوتيرة سريعة قد تفضي إلى تحقيق “تكافؤ استراتيجي” مع الولايات المتحدة خلال أربع أو خمس سنوات. توصيف من هذا النوع، في قاموس الردع النووي، ليس تفصيلاً عابراً، بل إشارة إلى تحوّل محتمل في ميزان القوة العالمي الذي استقر لعقود على ثنائية أمريكية–روسية.

الصين توسّع ترسانتها النووية بوتيرة سريعة وفق ما تدعيه الولايات المتحدة الأمريكية
الصين توسّع ترسانتها النووية بوتيرة سريعة وفق ما تدعيه الولايات المتحدة الأمريكية

التقديرات التي يتم تداولها في واشنطن تتحدث عن سباق متسارع تبنيه بكين بصمت نسبي، عبر تحديث شامل لـ المنظومات الصاروخية، وتوسيع البنية التحتية لمنصات الإطلاق البرية، وتعزيز القدرات البحرية في إطار ما يُعرف بـ”الثالوث النووي” الذي يشمل الصواريخ البرية، والغواصات النووية، والقاذفات الاستراتيجية. هذا التحول، إن ثبتت سرعته وحجمه، يعني أن الصين لم تعد تكتفي بسياسة “الردع الأدنى” التي تبنتها لعقود، بل تقترب من معادلة توازن ردعي مع واشنطن.

الاتهامات الأمريكية لم تتوقف عند حدود الأرقام. فقد جدّد كريستوفر ييو، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون ضبط التسلح، خلال مؤتمر في جنيف، اتهامات لافتة لبكين، مشيراً إلى ما وصفه بتفاصيل جديدة حول تجربة نووية صغيرة غير معلنة يُعتقد أنها أُجريت عام 2020 في موقع لوب نور بإقليم شينجيانغ.

فيما بكين تنفي، واشنطن تتذرع بأن الصين أجرت تجارب نووية
فيما بكين تنفي، واشنطن تتذرع بأن الصين أجرت تجارب نووية

الصين تنفي بشكل قاطع هذه المزاعم، وتؤكد التزامها بوقف التجارب النووية، معتبرة أن الاتهامات جزء من حملة سياسية لاحتواء صعودها العسكري.

الشق الأخطر في الموقف الأمريكي تمثل في انتقاد علني لمعاهدة نيو ستارت، التي كانت تنظم سقوف الرؤوس النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا.

ييو اعتبر أن “العيب الأكبر” في المعاهدة أنها لم تأخذ في الحسبان التوسع السريع وغير الشفاف في الترسانة النووية الصينية. ومع انتهاء العمل بالمعاهدة فعلياً في ظل تعليق روسيا مشاركتها، يجد العالم نفسه أمام فراغ تنظيمي غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة.

الأرقام المتداولة تعكس فجوة ما زالت قائمة، لكن مسارها يتغير. تقديرات مستقلة تشير إلى أن الصين تمتلك نحو 600 رأس نووي، وتضيف قرابة 100 رأس سنوياً، في حين تمتلك الولايات المتحدة وروسيا أكثر من خمسة آلاف رأس لكل منهما، رغم أن جزءًا من الترسانة الأمريكية يخضع للتفكيك. غير أن النقاش لم يعد فقط حول العدد الإجمالي، بل حول نوعية المنصات، ودقة الصواريخ، وقدرة الإطلاق المتعدد، ومرونة الانتشار.

في واشنطن، يُنظر إلى هذا التحول باعتباره تهديداً مباشراً لمفهوم التفوق النووي الذي استندت إليه الاستراتيجية الأمريكية لعقود. أما في بكين، فتُقدَّم الصورة بشكل مختلف. القيادة الصينية تؤكد أن ترسانتها “محدودة نسبيًا” مقارنة بالقوتين النوويتين الأكبر، وترفض الانضمام إلى اتفاقيات ضبط التسلح على قاعدة مساواة رقمية مع واشنطن وموسكو، معتبرة أن المسؤولية التاريخية في تقليص الترسانات تقع أولًا على عاتق من يمتلك آلاف الرؤوس النووية.

التحليل الاستراتيجي يشير إلى أن الصين ربما تسعى إلى تحقيق ما يسمى “الردع الموثوق”، أي ضمان قدرة ثانية على الرد في حال تعرضها لضربة أولى، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة حول تايوان وبحر الصين الجنوبي. في المقابل، تخشى الولايات المتحدة أن يؤدي هذا المسار إلى سباق تسلح ثلاثي مفتوح، ينسف ما تبقى من منظومة الحد من الأسلحة التي تشكلت منذ سبعينيات القرن الماضي.

اللافت أن معظم التحليلات الغربية المستقلة تتفق على أن الصين تبني قدراتها بسرعة، لكنها تشكك في إمكانية أن تعادل الولايات المتحدة أو روسيا من حيث العدد الإجمالي للرؤوس النووية في المدى القريب. غير أن مفهوم “التكافؤ الاستراتيجي” لا يعني بالضرورة مساواة رقمية مطلقة، بل قدرة كافية على إلحاق دمار غير مقبول بالطرف الآخر، وهو ما يكفي لفرض توازن ردعي.

في العمق، يتجاوز الخلاف مسألة الأرقام إلى أزمة ثقة شاملة. واشنطن تتهم بكين بانعدام الشفافية ورفض الانخراط في آليات تحقق دولية، فيما تتهم الصين الولايات المتحدة بتسييس ملف السلاح النووي واستخدامه ذريعة لتطويقها عسكرياً عبر تحالفات في آسيا والمحيط الهادئ. ومع تآكل الأطر التعاقدية مثل “نيو ستارت”، وغياب اتفاقيات ثلاثية ملزمة، يبدو أن النظام النووي العالمي يدخل مرحلة ضبابية جديدة.

المعادلة الأخطر أن أي خطأ في التقدير، أو قراءة مبالغ فيها لقدرات الطرف الآخر، قد يدفع إلى قرارات استراتيجية متسرعة، سواء عبر نشر منظومات إضافية، أو إعادة تموضع للقوات النووية، أو تطوير أسلحة فرط صوتية تعقّد حسابات الردع التقليدي. في هذا السياق، لا يُنظر إلى سباق التسلح بوصفه احتمالاً نظرياً، بل سيناريو يتشكل تدريجياً على أرض الواقع.

التصعيد الكلامي بين واشنطن وبكين قد يكون في ظاهره سجالاً دبلوماسياً، لكنه في جوهره صراع على شكل النظام الدولي المقبل. فإذا وصلت الصين إلى مستوى ردع يضعها في مصاف القوتين النوويتين التقليديتين، فإن ذلك سيكرّس انتقال العالم من ثنائية قطبية إلى ثلاثية نووية معقدة، يصعب ضبط إيقاعها عبر معاهدات ثنائية تقليدية.

في ظل هذا المشهد، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت القوى الكبرى ستتمكن من ابتكار إطار جديد لضبط التسلح يشمل الصين، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة سباق تسلح مفتوح بلا قيود واضحة.

المؤكد أن ملف السلاح النووي الصيني لم يعد شأناً تقنياً، بل أصبح عنواناً مركزياً في معركة النفوذ بين واشنطن وبكين، ومعه يرتفع منسوب القلق العالمي من عودة شبح التوازن المرعب بصيغة أكثر تعقيداً وأقل قابلية للضبط.

شاركنا رأيك:

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com