رصد إخباري- سورية – وكالات
بين بيان رسمي صادر عن صندوق النقد الدولي يتحدث عن “فائض طفيف” في موازنة سورية لعام 2025، وتقارير ميدانية متواترة تشير إلى تأخر الرواتب وتسريح عشرات آلاف الموظفين منذ سقوط نظام بشار الأسد، تتسع الفجوة بين السردية المالية الرسمية والواقع الاجتماعي المعاش. ففي وقت يشيد فيه الصندوق بـ”ترشيد الإنفاق” و”تحسن المؤشرات الكلية”، يؤكد موظفون حكوميون ومتقاعدون ونقابيون أن الأزمة الفعلية تكمن في تعليق الرواتب، وإعادة هيكلة واسعة طالت مئات الآلاف، واحتجاجات متصاعدة في أكثر من محافظة. هذا التقرير التحقيقي يرصد الوقائع كما هي، يستند إلى بيانات الصندوق، وتصريحات مسؤولين، وشهادات ميدانية، ويضعها في ميزان واحد: هل يعكس “الفائض” حقيقة الاقتصاد السوري أم يخفي كلفة اجتماعية باهظة؟
منذ التحول السياسي الذي أعقب سقوط نظام بشار الأسد، دخلت الإدارة العامة في سورية مرحلة إعادة ترتيب واسعة. حكومة تصريف الأعمال تحدثت صراحة عن “ترهل إداري” وتوظيفات غير منتجة وتكرار في الملاك الوظيفي، وأطلقت عمليات جرد شاملة للموظفين في معظم الوزارات.
مصادر عاملة في وزارات خدمية أكدت لوسائل إعلام محلية أن فرقاً إدارية بدأت بمراجعة القوائم الاسمية، والتدقيق في الحضور الفعلي، ومطابقة المهام الوظيفية مع الواقع. الهدف المعلن كان مكافحة التوظيف الوهمي وضبط كتلة الرواتب.
غير أن هذه الإجراءات ترافقت مع شكاوى واسعة من موظفين قالوا إن رواتبهم لم تُصرف في مواعيدها، أو إنهم مُنحوا إجازات قسرية لثلاثة أشهر دون وضوح بشأن عودتهم، أو إن أسماءهم أُزيلت من القوائم بانتظار “التدقيق”.
في دمشق ومحافظات الساحل، تحدث موظفون عن تأخر الرواتب لأسابيع، فيما أكد متقاعدون أنهم حصلوا على جزء من مستحقاتهم، وبعضهم عبر تقسيط شهري محدود.
في المقابل، أصدر صندوق النقد الدولي بياناً بعد زيارة بعثة إلى دمشق في شباط/فبراير، أشار فيه إلى أن سورية أنهت عام 2025 بفائض طفيف نتيجة ترشيد الإنفاق والامتناع عن التمويل من المصرف المركزي، وأن هناك تحسناً في النشاط الاقتصادي مدفوعاً بتحسن الثقة ورفع العقوبات التدريجي وإعادة الاندماج الإقليمي.
البيان تحدث أيضاً عن إعداد موازنة 2026 بإنفاق أكبر على الصحة والتعليم ورفع الأجور، وعن برنامج دعم فني لإصلاح المالية العامة والقطاع المالي.
هنا تظهر المفارقة. فبينما يقدّم الصندوق قراءة كلية تركز على المؤشرات الإجمالية، تتراكم على الأرض روايات عن أزمة سيولة في دفع الرواتب، واحتجاجات لموظفين مفصولين، وتفاوت ملحوظ في الأجور بين فئات مختلفة. في محافظة اللاذقية، خرج موظفون مفصولون في اعتصامات أمام مبانٍ عامة، مطالبين بإلغاء قرارات الفصل التي وصفوها بالجماعية وغير القانونية. في مؤسسات أخرى، تحدث عاملون عن إدراج مئات الأسماء ضمن قوائم إنهاء عقود سنوية، مع مطالبات بصرف المستحقات المتأخرة.
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل يتعلق بعدد المتضررين. بعض التقديرات المتداولة إعلامياً تحدثت عن نحو مليون موظف لم يتقاضوا رواتبهم في فترات محددة، لكن هذا الرقم يحتاج إلى تدقيق. البيانات الرسمية السابقة كانت تشير إلى أن عدد العاملين في الدولة يناهز 1.2 إلى 1.5 مليون بين مدنيين وعسكريين ومتقاعدين.
مصادر من حكومة تصريف الأعمال تحدثت عن شطب نحو 300 إلى 350 ألف اسم بدعوى التوظيف الوهمي أو الازدواجية، مع بقاء قرابة 900 ألف موظف فعلي.
المؤكد أن عشرات الآلاف على الأقل طالتهم إجازات أو إنهاء عقود أو تأخير رواتب، وهو رقم كافٍ لإحداث أثر اجتماعي واسع في اقتصاد هش.
في هذا السياق، برز اتهام سياسي يتردد في أوساط إعلامية ومعارضة مفاده أن صندوق النقد يتجاهل عمداً هذه التقارير، وأنه يقدّم تقييماً إيجابياً يتقاطع مع مصالح أمريكية ومع رغبة البيت الأبيض في إظهار استقرار مالي سريع في سورية ما بعد الأسد.
اتهامات لم يدعمها الصندوق بردود تفصيلية على كل تقرير ميداني، لكنه يؤكد في بياناته أنه يعتمد على بيانات السلطات الرسمية ويقدم تقييماً فنياً للمؤشرات الكلية، لا حكماً سياسياً على السياسات الاجتماعية.
السؤال الجوهري هنا: هل يمكن تحقيق فائض مالي في بلد لا تُدفع فيه الرواتب بانتظام؟ من الناحية التقنية، قد يؤدي خفض الإنفاق وتأجيل المدفوعات إلى تحسين الرصيد المالي على الورق. لكن من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فإن تأخير الرواتب يعني نقل العبء إلى الأسر، وزيادة الاستدانة الفردية، وتراجع الطلب الداخلي، ما قد ينعكس سلباً على النمو الحقيقي.
اقتصاديون محليون أشاروا إلى أن متوسط الراتب الحكومي لا يغطي سوى نسبة محدودة من احتياجات الأسرة، وأن أي تأخير في صرفه يفاقم الهشاشة المعيشية.
إلى جانب ملف الرواتب، هناك قضية إعادة المفصولين سابقاً لأسباب سياسية. وزارة التنمية الإدارية أعلنت إعادة أكثر من أربعة عشر ألف موظف إلى وزارة التربية بعد دراسة ملفاتهم، في إطار إنصاف من فُصلوا تعسفياً خلال سنوات الصراع. هذه الخطوة لاقت ترحيباً من بعض الأوساط، لكنها تزامنت مع موجة تسريحات جديدة بدعوى مكافحة الفساد، ما خلق انطباعاً متناقضاً: إعادة من جهة، وتسريح من جهة أخرى.
تفاوت الأجور بين مناطق مختلفة أثار أيضاً جدلاً واسعاً. موظفون في مناطق كانت خارج سيطرة الدولة سابقاً أكدوا أنهم يتقاضون رواتب بالدولار عبر آليات دفع خاصة، في حين يتقاضى موظفون قدامى رواتب بالليرة السورية بقيمة متدنية. هذا التباين غذّى اتهامات بالمحاباة، وإن لم تصدر أرقام رسمية شاملة توضح الفروق بدقة.
مصدر في وزارة المالية برر التأخير أحياناً بمشكلات تقنية في النظام المصرفي، وأحياناً بالحاجة إلى استكمال القوائم الاسمية بعد عمليات الجرد.
وأشار إلى أن الكتلة المالية للرواتب كانت تعتمد سابقاً على تمويل نقدي غير مستدام، وأن الحكومة الجديدة تسعى لضبط الإنفاق ومنع طباعة العملة دون غطاء. هذه الرواية تضع الإصلاح المالي في مواجهة مباشرة مع الكلفة الاجتماعية.
من زاوية أخرى، يرى خبراء أن أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى شفافية كاملة في الأرقام، ونشر بيانات مفصلة حول عدد الموظفين، وحجم كتلة الرواتب، وعدد المفصولين، ومعايير الفصل أو الإجازة. غياب هذه الشفافية يفتح الباب أمام الشائعات والمبالغات، ويزيد من فقدان الثقة بين المواطن والدولة، وبين الداخل والمؤسسات الدولية.
أما فيما يتعلق باتهام صندوق النقد بالتواطؤ، فالأمر يبقى في إطار القراءة السياسية أكثر منه اتهاماً مثبتاً. الصندوق يعمل عادة بالتنسيق مع الحكومات القائمة، ويعتمد بياناتها الرسمية. إذا كانت هذه البيانات لا تعكس الواقع بدقة، فإن المسؤولية الأولى تقع على الجهة التي تقدمها. لكن في المقابل، يُنتظر من مؤسسة دولية بحجم الصندوق أن تأخذ في الاعتبار التقارير الميدانية المستقلة وأن تدرج المخاطر الاجتماعية في تقييماتها، لا أن تكتفي بالمؤشرات الكلية.
الواقع السوري اليوم يقف عند تقاطع حساس بين إصلاح مالي ضروري، واستقرار اجتماعي هش. فائض موازنة، إن تحقق فعلاً، لا يكفي وحده للحكم على التعافي. المعيار الأهم هو انتظام الرواتب، وضمان العدالة في توزيع الأجور، ووضوح معايير إعادة الهيكلة، وتوفير شبكة أمان للفئات المتضررة.
في النهاية، لا يمكن اختزال الأزمة في معادلة “فائض مقابل رواتب”. الصورة أعقد من ذلك. هناك اقتصاد يحاول أن يلتقط أنفاسه بعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والانهيار، وهناك إدارة جديدة تسعى إلى ضبط الإنفاق، وهناك موظفون يعيشون قلقاً يومياً على مصدر رزقهم. وبين كل ذلك، يقف صندوق النقد الدولي لاعباً مؤثراً في رسم صورة التعافي.
التحدي الحقيقي ليس في إثبات صحة بيان أو نفيه، بل في بناء نظام مالي شفاف يربط بين الأرقام والناس، بين المؤشرات وحياة الأسر، وبين الإصلاح والاستقرار الاجتماعي. من دون ذلك، سيبقى أي فائض عرضة للتشكيك، وأي تقييم دولي محل جدل، وأي إصلاح مهدداً بفقدان الثقة.
شاركنا رأيك:
