دولي – سياسي – وكالات
فجّرت تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، عاصفة سياسية وفكرية بعد إحيائه خطاب “إسرائيل من النيل إلى الفرات” خلال مقابلة مثيرة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون.
الكلمات لم تكن زلة لسان، بل تعبيرًا مكثفًا عن عقيدة دينية – سياسية تتسلل إلى صلب القرار الأمريكي، وتكشف الوجه اللاهوتي الخفي للسياسة الخارجية في الشرق الأوسط.خلف الغلاف الديني… مشروع سياسي مقنّع
حين استُحضر نص “سفر التكوين” الذي يتحدث عن وعدٍ إلهي بأرض تمتد “من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات”، لم يتردد هاكابي في إبداء تأييد واضح للقراءة الحرفية للنص.
هذه الجغرافيا، وفق القراءة المطروحة، تشمل فلسطين التاريخية والأردن و لبنان وسورية وأجزاء من مصر والعراق والسعودية وجنوب تركيا — أي إعادة رسم كاملة لخريطة الشرق الأوسط.
هنا يتجاوز الأمر حدود النقاش الديني، بل إنه انتقال صريح من الدبلوماسية إلى “القدرية السياسية”، حيث تتحول النصوص اللاهوتية إلى مرجعية للسياسات المعاصرة.
عقود من الارتباط العقائدي بإسرائيل
لم يأتِ موقف هاكابي من فراغ، الرجل زار “إسرائيل” أكثر من مئة مرة، وقاد رحلات إنجيلية إلى المستوطنات، ورفض وصف الضفة الغربية بـ”الأراضي المحتلة”، معتبراً إياها “أحياء إسرائيلية شرعية”.
الرجل رفض حل الدولتين، وأنكر الهوية الفلسطينية، ودافع عن المشروع الاستيطاني بوصفه تنفيذاً لوعدٍ إلهي لا يخضع للقانون الدولي، وهو مزج بين اللاهوت والسياسة لا يعدو كونه هامشياً، بل جزء من تيار أوسع يُعرف بـالصهيونية المسيحية، التي ترى في قيام “إسرائيل” وتوسّعها شرطاً لعودة المسيح وبدء أحداث “نهاية الزمان“.
الصهيونية المسيحية… العقيدة التي تحرّك القرار
يرتكز هذا التيار إلى قراءة حرفية للعهد القديم، وخاصة عبارة “أبارك مباركيك وألعن لاعنيك”، التي باتت تُستخدم في أروقة السياسة الأمريكية لتبرير دعم غير مشروط لـ “إسرائيل”.
الجذور تعود إلى لاهوت “التدبير” الذي انتشر في الأوساط الإنجيلية منذ القرن التاسع عشر، ورسّخ فكرة أن قيام “إسرائيل” الحديثة عام 1948 هو استمرار مباشر لنبوءات توراتية قديمة.
وهنا يكمن الخطر، حين تصبح الجغرافيا السياسية مسرحاً لنبوءة، يتحول الصراع إلى قدرٍ محتوم، وتصبح التسويات السياسية نوعاً من “عصيان الإرادة الإلهية”.
الخبث الأمريكي… من المصالح إلى النبوءة
ما تكشفه تصريحات هاكابي ليس مجرد رأي شخصي، بل انعكاس لتيار نافذ داخل الحزب الجمهوري يرى أن دعم “إسرائيل” ليس تحالفاً استراتيجياً فحسب، بل واجب ديني تجلى بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس و اعترف بسيادة “إسرائيل” على الجولان ووفر الغطاء السياسي والعسكري المفتوح خلال حرب غزة للكيان ناهيك عن التصعيد المستمر ضد إيران لما يصفه بـ “المعركة التاريخية”.
بعبارة أخرى، لم تعد واشنطن تتحرك فقط بمنطق المصالح وفق ما يفسره الساسة والمحللون، إنها تتحرك منذ التأسيس بمنطق “التكليف المقدس”، وهنا يتجلّى الخبث السياسي من استخدام الغطاء الديني لتبرير مشروع جيو سياسي يعيد تشكيل الشرق الأوسط تحت شعارات إيمانية.
بين القانون الدولي والعقيدة
إن الحديث عن “إسرائيل من النيل إلى الفرات” يتصادم جذرياً مع مبدأ سيادة الدول و قرارات الأمم المتحدة ومنظومة القانون الدولي المعاصر، إلا أنه حين يُقدَّم التوسع باعتباره تنفيذاً لوعدٍ إلهي، يصبح القانون الدولي تفصيلاً ثانوياً في خطابٍ يرى نفسه فوق السياسة وفوق التاريخ.
تصريحات هاكابي ليست انفعالاً عابراً، بل نافذة على مدرسة فكرية أمريكية تمزج بين اللاهوت والقرار السياسي، وتحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة لتحقيق نبوءات، وإذا كان الخطاب يُسوَّق بلباسٍ ديني، فإن نتائجه سياسية بامتياز تتمثل بتفكيك الخرائط، وشرعنة التوسع، وتغذية الصراع المفتوح تحت عنوان “الإرادة الإلهية”.
شاركنا رأيك:
