الإفطار الذي أقامه النائب محمد سليمان في منزله في الهيشة – وادي خالد على شرف السفير السعودي وليد البخاري، لم يكن مناسبة رمضانية عادية، بل بدا منصة سياسية لتوجيه رسائل واضحة في توقيت دقيق يعيشه الشارع السني في عكار. وجاء ذلك بعد إحياء الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، والتي أظهرت تجدد الالتفاف الشعبي حول رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، وسط تأكيدات بأن تيار «المستقبل» لا يزال القوة السنية الأولى في المحافظة.
وبحسب معلومات متداولة، فإن الإفطار عُقد بطلب من السفير نفسه، المعروف باعتماده السرية في لقاءاته، ما فاجأ عدداً من المدعوين الذين لم يكونوا على علم مسبق بحضوره، وزاد منسوب التأويل حول خلفيات التوقيت وأهدافه.
سليمان أضفى على المناسبة طابعاً عشائرياً واضحاً، فارتدى الزي السعودي واستقبل الضيوف في خيمة بحضور فعاليات من عشيرتَي العتيق والغنام، إلى جانب شخصيات دينية وبلدية واجتماعية، تقدّمها مفتي عكار الشيخ زيد بكار زكريا ونائبا «تكتل الاعتدال» سجيع عطية وأحمد الخير، والنائب السابق هادي حبيش، ورئيس دائرة أوقاف عكار الشيخ مالك جديدة. في المقابل، سُجّل غياب النائبين عبد العزيز الصمد ووليد البعريني.
اللقاء حمل أكثر من رسالة في سياق إعادة ترتيب المشهد السني في عكار. فسليمان سعى إلى تثبيت موقعه ممثلاً للعشائر العربية، خصوصاً بعد الجدل الذي أثير أخيراً حول قضية «أبو عمر». كما عكس الإفطار إشارة مباشرة إلى تيار «المستقبل» بأن عكار، رغم كونها معقلاً تقليدياً له، ليست مغلقة أمام الحضور السعودي أو أمام محاولات إعادة رسم التوازنات من خارج عباءته.
ولوحظ عدم توجيه الدعوة إلى المرشحين الطامحين سرحان بركات وأحمد حدارة، ما أثار تساؤلات حول احتمال خلط الأوراق الانتخابية في المرحلة المقبلة، علماً أنهما كانا قد غابا عن ذكرى الرئيس رفيق الحريري في خطوة وُصفت بمحاولة استرضاء السفارة. كذلك لم تشمل الدعوة منسق «المستقبل» في عكار عبد الإله زكريا، رغم العلاقة الجيدة التي تجمعه بسليمان.
السفير البخاري لم يُلقِ كلمة، مكتفياً باعتبار أن كلمة المضيف تعبّر عن موقفه، قبل أن يعقد خلوة معه في ختام اللقاء. أما سليمان، فأكد التمسك بمعادلة «سلطة واحدة، شعب واحد، جيش واحد، وسلاح واحد بيد الدولة»، مشدداً على أن لبنان «عربي الهوية والانتماء». من جهته، اعتبر مفتي عكار أن المملكة «عابرة للطوائف في عطائها»، وأن دعمها يصب في تثبيت الاستقرار.
ويأتي هذا الحراك في سياق سعي سليمان إلى إعادة إبراز موقعه السياسي في المنطقة. فهو الذي دخل البرلمان للمرة الأولى عام 2018 على لائحة مدعومة من سعد الحريري، ولفت الأنظار يومها بارتدائه العقال والكوفية والعباءة تحت قبة المجلس. وفي انتخابات 2022، خاض الاستحقاق ضمن تحالف ضم عدداً من نواب «المستقبل» السابقين في ما عُرف بـ«تكتل الاعتدال»، محققاً أكثر من 11 ألف صوت.
الإفطار أثار موجة انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأى ناشطون أن المأدبة بدت «باذخة» في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي تعانيها عكار، فيما شدد آخرون على أن الشارع العكاري لا يزال متمسكاً بخيار الحريري، وأن الساحة السنية ليست مفتوحة لإعادة رسم توازناتها من خارج هذا الإطار.
وفي سياق متصل، أدى السفير السعودي صلاة التراويح في المسجد المنصوري الكبير في طرابلس إلى جانب النائب أشرف ريفي، في خطوة قرأها مراقبون ضمن السياق السياسي نفسه.
