خاص مركز بيروت للأخبار

إعداد: MZA

بعيدًا عن صورته كمدان بجرائم اتجار جنسي انتهت حياته في زنزانة عام 2019، تكشف وثائق أمريكية مسرّبة وتحقيقات برلمانية أن جيفري إبستين لم يكن مجرد ممول نافذ، بل حلقة وصل حساسة في شبكة معقدة جمعت المال والسياسة وصناعة الأمن السيبراني الإسرائيلي.
في قلب هذه الشبكة برز اسم رئيس الوزراء ووزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، إلى جانب شركات مراقبة متطورة مثل كارباين وإن إس أو، في مسار امتد من أبيدجان إلى أولان باتور، ومهّد لاتفاقيات أمنية رسمية سبقتها تفاهمات غير معلنة.

شبكة الظل: الوسيط والجنرال ورأس المال

الملياردير الأمريكي توماس بريتزكر وإيهود باراك والمخرج والممثل الأمريكي وودي آلن وفي المنتصف يقف جيفري إبستين
الملياردير الأمريكي توماس بريتزكر وإيهود باراك والمخرج والممثل الأمريكي وودي آلن وجيفري إبستين

تكشف المراسلات الإلكترونية بين إبستين وباراك عن علاقة تتجاوز المجاملة الشخصية. كان إبستين يقدّم ما لا تستطيع الحكومات تقديمه بسهولة، من الوصول المتزامن إلى نخب المال في وادي السيليكون، وصناديق الاستثمار، وشخصيات سياسية نافذة.
في المقابل، منح باراك الغطاء الأمني والسياسي بصفته رئيس وزراء ووزير دفاع سابق، ما أضفى على التحركات طابعاً رسمياً حتى خارج القنوات الحكومية.

في عام 2015، وُقّع عقد بقيمة 25 مليون دولار بين أريان دي روتشيلد وشركة “ساوثرن ترست” المرتبطة بإبستين، تحت غطاء “تحليل المخاطر والخوارزميات”. وفي العام نفسه، استثمر إبستين في شركة “ريبورتي” الإسرائيلية الناشئة، التي أصبحت لاحقاً “كارباين”، المتخصصة في تقنيات الاستجابة للطوارئ وأنظمة الاتصالات الذكية.
لاحقاً، استحوذت شركة “أكسون” الأمريكية، إحدى أكبر شركات تقنيات إنفاذ القانون في العالم، على “كارباين” مقابل 625 مليون دولار، ما كرّس صعود الشركة إلى قلب منظومة الأمن العالمي.

القانون المرن: كيف تُفتح الأبواب رسميا؟

تخضع صادرات التقنيات الدفاعية الإسرائيلية لقانون مراقبة الصادرات الدفاعية لعام 2007، عبر هيئة مراقبة الصادرات الدفاعية التابعة لوزارة الدفاع.
نظرياً، تتطلب أي صفقة لبرمجيات تجسس مثل “بيغاسوس” موافقة رسمية. لكن القانون نفسه يتيح استثناءات فضفاضة تتعلق بـ”المصالح الدبلوماسية والأمنية”، ما يسمح بتجاوز اعتبارات حقوق الإنسان عند الضرورة السياسية.

وقد أدرجت الولايات المتحدة شركة “إن إس أو” على قائمتها السوداء عام 2021، في إشارة إلى الضغوط الدولية المتزايدة. غير أن الوثائق المرتبطة بإبستين تشير إلى وجود قناة موازية غير رسمية، أكثر مرونة وأقل خضوعاً للرقابة.

مهمة أبيدجان: التجسس يسبق الاتفاق

جيفري إبستين مع جنود مجهولي الهوية في أفريقيا (كتاب عيد ميلاد جيفري إبستين)
جيفري إبستين مع جنود مجهولي الهوية في أفريقيا (كتاب عيد ميلاد جيفري إبستين)

في عام 2012، التقى رئيس ساحل العاج الحسن واتارا بإيهود باراك في القدس لبحث إعادة بناء الجيش. في التوقيت ذاته تقريباً، كان إبستين يستقبل أفراداً من عائلة واتارا في نيويورك.
بعد أشهر، طُرحت مقترحات لإنشاء منظومات اعتراض اتصالات ومراكز مراقبة في أبيدجان.

عام 2014، حلّ واتارا جهاز الاستخبارات القديم وأنشأ جهازاً جديداً يخضع مباشرة للرئاسة. وبعد أيام، رُفع حظر السلاح الأممي عن البلاد، ثم وُقعت اتفاقية دفاع وأمن داخلي مع “إسرائيل”، قبل أن يرصد مختبر المواطن في 2018، استخدام “بيغاسوس” داخل ساحل العاج.

التسلسل الزمني يوحي بأن القناة غير الرسمية لم تكن بديلاً عن الدبلوماسية الرسمية، بل تمهيداً لها.

من منغوليا إلى وادي السيليكون: تكرار النموذج

في أبريل 2013، وبعد شهر واحد من مغادرته منصبه، زار باراك العاصمة المنغولية أولان باتور للقاء الرئيس تساخياغين إلبغدورج وكبار مسؤولي الأمن فيما خلف الكواليس، كان إبستين ينسق الاجتماعات من نيويورك.

تم إشراك “معهد السلام الدولي” لتوفير غطاء مؤسسي عبر تشكيل مجلس استشاري يضم أسماء دولية بارزة. لاحقاً، قُدمت مذكرة عسكرية مفصلة تحمل الشعار الرسمي الإسرائيلي، رغم أن باراك لم يكن يشغل منصباً حكومياً.

بعد سنوات من اللقاءات الخاصة والعشاءات في منزل إبستين، وُقعت تفاهمات أمنية بين “إسرائيل” ومنغوليا شملت التعاون في خدمات الطوارئ والتقنيات المتقدمة.

البنوك الخاصة: شرعية مالية لصفقات حساسة

لم تكن البنوك السويسرية تموّل صفقات سلاح مباشرة، لكنها وفرت البنية القانونية التي تمنح الأنشطة طابعاً مؤسسياً.
تحول باراك سريعاً إلى “مستشار استراتيجي” لبنك جوليوس باير بعقد سنوي، ما وفر له تدفقاً مالياً ثابتاً وغطاءً مهنياً لتحركاته الدولية.

في الخلفية، أظهرت تحقيقات لجنة المالية في مجلس الشيوخ الأمريكي أن حساباً واحدًا من حسابات إبستين نفذ آلاف التحويلات بمليارات الدولارات، ما يشير إلى بنية مالية قادرة على دعم استثمارات أمنية معقدة.

ما وراء الفضيحة: صناعة ظل تتقاطع مع الدولة

 

مراسلات بريد إلكتروني مسرّبة بين إيهود باراك وجيفري إبستين
مراسلات بريد إلكتروني مسرّبة بين إيهود باراك وجيفري إبستين

تكشف هذه الوقائع عن نمط متكرر قام به ابستين، من اتصال غير رسمي عبر وسيط نافذ، ثم تقديم مقترحات أمنية عبر مسؤول سابق، ثم اتفاق رسمي بين حكومتين.
القناة الخلفية لا تلغي القناة الرسمية، بل تسبقها وتمهد لها. وبالتالي فالقصة هنا ليست فقط عن فضيحة شخصية، بل عن كيفية تحوّل تقنيات المراقبة السيبرانية إلى أداة جيوسياسية تُصدَّر عبر شبكات تجمع المال والنفوذ والدولة في منظومة واحدة.

ما رأيك؟”

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com