نادين خزعل

في ليلٍ انكسر فيه القمر على صفيح السماء ومع أذان “الله أكبر” كانت البقاع تسربل عتمتها بأنفاس أهلها الصائمين المشبعين رغم الحرمان كرامة العنفوان..

وهبّت الغارات تطعن سكون البقاع بخنجرٍ من نار.

دوت الانفجارات..
ارتطام قلبٍ بأرضه، وصراخ حجارةٍ علها تحمي الأجساد من الشظايا.

ليل أمس، تمدّدت النار فوق السهول، بين القمح والبارود، ارتقى شهداء، وصعدت أرواحهم نجومًا مباغتة في سماءٍ أثقلها الدخان واحتضنها الردى..
أسماءٌ استحالت أرقامًا وركامًا.. فجأة، صار الصباح مؤجّلًا، وصارت الأمهات يفتّشن في الركام عن آخر قبلةٍ لم تُمنح، وعن دفءٍ خط الموت أبرد أكفانه…

من الجنوب إلى البقاع إلى كل الوطن، جرح العدوان الإسرائيلي الغاشم يتجدّد في خاصرة وطنٍ يغزل من الاستهداف عباءة الصبر.

اشمخ يا بقاع، انهض من ركام الموت… عزك لن يتكسّر بغارات، وبيوتك لن تتشظّى، وشهداؤك المرتحلون أحياء عند رب السموات يرزقون..

لا تبك يا بقاع…
هنا السيد موسى الصدر والسيد عباس الموسوي، هنا التاريخ يولد ليكتب من جديد..
ها عرس أرضك الليلة سيزف بالدم، وأهل هذي الأرض هم سورها الأخير.

هنا البقاع…
في وجوه الرجال الذين هرعوا إلى الشوارع، وفي عيون النساء اللواتي تشبّثن بأطفالهنّ، والوديان في لجة العتم تردد صدى : لن تُكسر هذه السهول، ولو أثقلها الرماد.

أيها الشهداء، يا من غادرتم على عجلٍ كأن السماء استعجلت لقاءكم، عانقوا الفجر، حين يخفّ وهج النار ويبقى الدخان شاهدًا..
وكما الأسطورة الأبدية: خرجت البقاع من تحت الألم كما تخرج السنابل بعد العاصفة: منحنيةً قليلًا، لكنها حيّة.
تجمع الناس، تعانقوا، بكوا، ثم بدأوا بإزالة الركام. كأنهم يقولون للعالم إن العدوان قد يوجع وقد يقتل وقد يدمر، لكنه لا يُنهي الحكايات.

ويبقى الشهداء…
وحدهم الحقيقة الصافية في زمنٍ ملبّدٍ بالدخان، يحيلهم أرقامًا في بيان، وحدهم نبضٌ انقطع ليحيا وطن، وأسماءٌ كُتبت على جبين الأرض كي لا تُنسى.

من جديد، تُطوى الصفحة على دمعةٍ وكرامة، على ردى يمخر عباب المدى، على حزنٍ عميق، ولكن في البقاع، حزن شامخ الرأس.

شاركها.
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com