توفيق شومان
21 فبراير 2026
شكّلت دولُ الجوار الجغرافي لإيران (حتى الآن) طوقاً سياسياً وأمنياً حالَ دون استئناف الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. وبدا، من مواقف دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا وباكستان، فضلاً عن مصر، ووساطاتها، أنّ هذه الدول تستشعر أخطاراً غير مسبوقة إذا ذهبت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى حربٍ لا تُبقي ولا تذر. وربما نكون إزاء مفصلٍ زمنيٍّ استثنائي تجتمع فيه هذه الدول على رؤيةٍ موحّدة، ملؤها استهوالُ ما قد تنتجه الحرب على إحدى الدول الإقليمية. فالمشروع الأميركي لإعادة صياغة المنطقة أمنياً واقتصادياً وسياسياً، والمترافق مع مشروع اليمين الإسرائيلي الموغل في التطرّف، وكانت إحدى علاماته العدوان الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر/ أيلول الماضي، قد حرّك الهواجس الجماعية النائمة، ودفع معظم دول الإقليم إلى بناء جدار صدٍّ (حتى هذه اللحظة) في وجه خيار الحرب الأميركية على إيران.
تعيد تلك الهواجس من مشاريع خارجية إلى الأذهان هواجس شبيهة برزت في خمسينيّات القرن العشرين؛ إذ بدا المشروع السوفييتي مهدِّداً لتركيا التي أنذر جوزيف ستالين باجتياحها مرّات عدّة، فيمّمت وجهها نحو طلب الحماية من الغرب. وكذلك الأمر مع إيران؛ إذ أنشأت موسكو “جمهورية مهاباد” الكردية عام 1946، بعدما كانت ألزمتها توقيع معاهدة عام 1922 التي أتاحت للجيش الأحمر دخول الأراضي الإيرانية كلّما استشعر خطراً أو افترضه أو استوهمه. أمّا باكستان، فشكّلت منذ انفصالها عن الهند عام 1947 هدفاً لا يسقطه الزمن الهندي من حساباته واستراتيجياته المتمحورة حول إعادة “الابن الضالّ” إلى الحظيرة الهندية. ولا يخلو الزمن المذكور من شواهد ومعطيات وحقائق تؤكّد الترابط الهندي ـ السوفييتي في المجالات كافّة، بما فيها العسكرية. وهذا ما دفع باكستان إلى الاتجاه غرباً أسوةً بتركيا وإيران. وعلى ما ظهر لاحقاً، أسهم الجيش السوفييتي بنسبة كبيرة في الحرب الباكستانية ـ الهندية الثانية عام 1965، وبالحرب الثالثة عام 1971، التي أدّت إلى انفصال بنغلادش عن الدولة الباكستانية.
أمّا العراق، فكان أمام عاملَين مهدِّدَين خطرَين، هما لجوء القادة العسكريين الأكراد إليه (المدعومين من الدولة الحمراء السوفييتية) بعد سقوط مشروع “مهاباد”، والحاضنة الشعبية التي كان يحظى بها الحزب الشيوعي العراقي. وإذا ما أضيفت إلى ذلك المطالبة التركية ببعض أجزاء العراق، فالنتيجة التي انتهى إليها صانعو القرار في بغداد المَلكية أنّ طلب الحماية من الغرب قد يُنشئ حزام أمان للعراق ونظامه السياسي. وعلى هذه المعادلات الهاجسية المحلّية من السوفييت ومشاريعهم وتهديداتهم، والممتدّة من باكستان إلى إيران فالعراق فتركيا، نبتت البذور الأولى لحلف بغداد. فاستثمرها الغرب ودفعها إلى تشكيل ما بات يُعرف بالخطوط الأولى لمكافحة الشيوعية. وبدل أن تستغلّ تلك الدول الغرب وأحلافه لحماية نفسها من المخاطر السوفييتية، تحوّلت إلى سدٍّ غربيٍّ لمواجهة الاتحاد السوفييتي.
دول الإقليم محدودة القوة، لكنّها تمتلك عناصر قوةٍ لو تضافرت وتآزرت لجعلتها عصيّةً على محاولات النيل منها
في هذه المرحلة المنعطفية من تاريخ الشرق الأوسط، لا يبدو للمشروع الإسرائيلي حدود؛ لا في الجغرافيا ولا في الأمن ولا في الاقتصاد. وكما يُقال دائماً، فإن مأثرة القادة الإسرائيليين قدرتُهم على التماهي مع المشاريع الغربية، ابتداءً من وعد بلفور الإنكليزي، ثم مع التسليح الفرنسي المفتوح لجيش الاحتلال الإسرائيلي في أواخر الأربعينيّات وحتى السنوات الأولى من الخمسينيّات، وأخيراً مع الولايات المتحدة منذ عقود، فالسؤال المطروح حيال ذلك كلّه يدور في فلك: كيف يُحفَظ أمن دول الإقليم من مصر إلى باكستان، مروراً بدول الخليج وتركيا وإيران؟ وهو ما يفرض عليها تقارباً في الرؤى وصوغاً للأهداف المشتركة.
وبناءً على ذلك، يلوح في الأفق أكثر من شاهدٍ وملمح يختزن إمكانية تشكيل إطارٍ أو تفاهمٍ أو مشروعٍ إقليمي (ليس بالضرورة حلفاً عسكرياً) للحدّ من الهيمنة والتغوّلات الإسرائيلية المنسجمة مع رؤية النُّخبة الأميركية الجديدة، القائمة على إحداث تحوّلات عميقة في النظام العالمي، التي يصفها المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنها تعكس سيطرةَ الدول الأقوى على الدول الأقلّ قوة. ولا حاجة لتفصيل أن دول الإقليم محدودة القوة، لكنّها تمتلك عناصر قوةٍ لو تضافرت وتآزرت لجعلتها عصيّةً على محاولات النيل منها أو استفرادها دولةً تلو دولة.
أكثر من ملمح يختزن إمكانية تشكيل مشروعٍ إقليمي للحدّ من الهيمنة والتغوّلات الإسرائيلية
ومن شواهد يمكن التعويل عليها اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان، التي لاقت ترحيباً من إيران وتركيا. وفيما يعلو الحديث عن تنامي التوافقات التركية ـ السعودية، وإلى حدود يُحتمل معها انخراط أنقرة في المجال الدفاعي الباكستاني ـ السعودي، فإنّ مصر هي الأخرى معنية بهذا التقارب المتشعّب إلى جوانب مختلفة، فالإسرائيليون لا ينفكّون عن القول إن مصر تشكّل خطراً محدقاً بهم، وإن تركيا تعمل على إعادة تشكيل “سلطنة” عثمانية لمواجهة إسرائيل، وإن باكستان إحدى حلقات التهديد بالنسبة إلى إسرائيل بسبب برنامجها النووي. أمّا السعودية فقد أخرجتها تل أبيب من دائرة آمالها؛ بل إن العديد من المحلّلين الأمنيين والاستراتيجيين الإسرائيليين باتوا يتحدّثون عن السعودية واختيارها سبيلين: أحدهما نحو إسلام آباد والآخر نحو أنقرة، بما يثير مخاوفهم؛ فيما إيران لا يعوزها كلامٌ إسرائيلي ولا كلمات.
وأمام ذلك كلّه، وفي برهةٍ تتهدّد فيها دولٌ على مساحة كبرى من آسيا وافريقيا، لا يعود الحديث غريباً عن إطارٍ عام يجمع دول الخليج وتركيا ومصر وإيران وباكستان، تتآلف في أرضه لغاتٌ وشعوبٌ وقوميات، ووحدة مصالح، وأمن مشترك، وسوق اقتصادية ضخمة، وكتلة بشرية تتجاوز نصف مليار نسمة، وجيوش ضخمة، ومظلّة نووية، وأكبر احتياطي للطاقة في العالم.
وربّما كان السؤال الأخير: من أين البداية؟… الجواب السريع (والعميق): من تفكيك النزاعات بين هذه الدول؛ فهذا التفكيك هو المدخل نحو الثقة. فالثقة أولاً، وهي مجلبة الأمن الجماعي. فهل تُقرَع أجراس الأعراس؟
