مفاوضات تحت النار
يحافظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خطاب يبدو ثابتاً في نبرته، متناقضاً في مضمونه، منذ تجدد التوتر مع إيران. فهو يتحدث عن مفاوضات «جيدة» وحتمية التوصل إلى اتفاق «بطريقة أو بأخرى»، لكنه في الوقت نفسه يلوّح بعملية «مطرقة منتصف الليل» التي استهدفت مواقع نووية إيرانية العام الماضي، ويهدد بوقوع «أمور سيئة» إذا لم تُبرم طهران صفقة.
يرتكز خطابه على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، غير أنه يفاخر أيضاً بأن بلاده «قضت بالكامل» على قدراتها النووية. هذا التناقض يطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كان البرنامج قد دُمّر فعلاً، فما الحاجة إلى مفاوضات أو تهديدات بحرب واسعة؟
المؤشرات توحي بأن المطالب الأميركية تتجاوز الملف النووي إلى البرنامج الصاروخي والدور الإقليمي الإيراني، في إطار سعي أوسع لإعادة تشكيل توازنات المنطقة. وهو ما عبّر عنه ترامب بدعوته إلى «شرق أوسط خالٍ من التطرف والإرهاب»، مطالباً إيران بالانخراط في هذا المسار.
هذا التباين في الأهداف انعكس تعقيداً في جولة المفاوضات الأخيرة التي عُقدت في جنيف بوساطة عُمانية، والتي وُصفت بأنها «متوترة ومعقدة». فبينما طرح الأميركيون ملفي الصواريخ والسلوك الإقليمي، تمسك الوفد الإيراني بحصر النقاش في الشأن النووي، عارضاً تنازلات تقنية تتعلق بالرقابة ونسب التخصيب وتعزيز التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وقد حضر الاجتماع مدير الوكالة رفاييل ، الذي حذر من أن نافذة الدبلوماسية تضيق سريعاً.
بالتوازي، عززت واشنطن حضورها العسكري في المنطقة وسط تسريبات عن تعثر المفاوضات، مع إبقاء خيار «حرب جوية» مطروحاً. وأشارت تقارير إلى أن حاملة الطائرات «جيرالد فورد» قد تتجه إلى المتوسط، فيما يواصل ترامب مشاوراته من دون اتخاذ قرار نهائي.
في المقابل، شدد رئيس حكومة الاحتلال بنيامن نتنياهو على استعداد بلاده لكل السيناريوهات، ملوّحاً برد قاسٍ على أي هجوم إيراني، رغم تقارير إسرائيلية تحدثت عن ثغرات في الجاهزية الداخلية.
وتشير قراءات إسرائيلية إلى أن الضربة الأميركية – الإسرائيلية السابقة لم تُنهِ المشروع النووي الإيراني كما أُعلن، بل ربما أخّرته لفترة محدودة فقط. وعليه، يبدو أن الهدف لم يكن إسقاط النظام، بل توجيه ضربة قاسية تدفع طهران إلى تقديم تنازلات أكبر على طاولة التفاوض.
بين لغة التهديد وخطاب الدبلوماسية، تتكشف معركة إرادات تتجاوز النووي إلى رسم ملامح النظام الإقليمي بأسره.
